فهرس الكتاب
أصْلَحْتُمْ أنفُسَكُمْ؛ فحينئذٍ اسْعَوا في صَلاحِ غيركم! وربَّما اعترضَ عليهم بقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وبقوله - تعالى -: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية، والحديثِ الصَّحيح عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ رَجُلاً يُقْذَفُ به في النَّار فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ، فيقولُ له أهلُ النَّار: يا فلانُ أَلَسْتَ الذي كنتَ تأمُرُنا بالمعروفِ وتَنْهانا عن المُنْكر؟ فيقولُ: نعم؛ كنتُ ءامُرُكُمْ بالمعروفِ ولا أَفْعَلُهُ، وأَنْهاكُمْ عن المنكرِ وءاتِيهِ»⁽١⁾. أو كما قال - عليه السَّلام -؛ فأَسْكَتَهُمْ عن تعليمِ الخَيْرِ.
فاعلموا - رَحِمَكُمُ الله - أنَّ الآيةَ الأولى لا حُجَّةَ فيها لِلْمُعْتَرِضِ بها فيها، لأنَّه ليسَ فيها نَهْيٌ لنا عَنْ أنْ نَنْهى مَنْ ضلَّ عن ضلالة، ولكنْ فيها تَطْييبٌ لأنفسنا عن غيرنا، ولا يَضُرُّنا مَنْ ضلَّ إذا اهتدينا. وقد جاءَ في بعض الآثار: أنَّ المنكرَ إذا خفي لم يُؤْخَذْ به إلا أهْلُهُ، وأنَّه إذا أُعْلِنَ فلم ينكره أخَذَ فاعلهُ وشاهدُهُ الذي لا يُقِرُّهُ⁽٢⁾. فإنَّما في هذه الآية إعلامٌ لنا أنَّنا لا نُضَرُّ بإضلالِ مَنْ ضَلَّ إذا اهْتَدَيْنا و [على] مَنْ اهتدى مِنَّا أن يأمرَ بالمعروف وينهى عن المنكر⁽٣⁾.
--------------------
(١) رواه البخاري (٣٢٦٧) ، (٧٠٩٨) ، ومسلم (٢٩٨٩) من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما -.
(٢) كأَنَّهُ يشيرُ إلى ما رواه البيهقيُّ في «شعب الإيمان» (٧٦٠١) ، وابنُ عبدِالبَرِّ في «التمهيد» ٣٠٩/٢٤، عن بلالِ بنِ سعدٍ (وهو تابعيٌّ ثقةٌ فاضلٌ) ، قالَ: إِنَّ المعصيةَ (أو: الخطيئةَ) إِذَا خَفِيَتْ (أو: أُخْفِيَتْ) لم تَضُرَّ إِلَّا صاحبَها، وإِذَا أُعْلِنَتْ فلم تُغَيَّرْ؛ ضَرَّتِ العامَّةَ. وقد روي عن أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط»
(٤٣٨٥) ، وفي إسنادِهِ متروكٌ، كما قال الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» ٢٦٨/٧
(١٢١٤١) . وقوله: (وشاهده الذي لا يُقِرُّهُ) كذا الأصل، وجعلها (ع) : (لا ينكره) ، وقال عمَّا في الأصل: (قد يصحُّ بحذف: لا) . قلتُ: بل ما في الأصل صحيحٌ لا إشكالَ فيه، والمعنى واضحٌ، فَإِنَّ ذلك الشاهدَ للمنكرِ لم يكنْ مقراً له؛ وإلا كان مثلَ فاعلِهِ، لكِنَّهُ كان غيرَ منكرٍ، فعوقبَ لعدمِ الإنكارِ؛ وإن لم يكن منه إقرارٌ.
(٣) ص: (ومن اهتدى بنا...) . وقال ابنُ كثيرٍ - رحمه الله - في «تفسيره» [المائدة: ١٠٥] =