فهرس الكتاب
وأمَّا⁽١⁾ الآية الثَّانية فلم يُنْكَرْ فيها الأمرُ بالبِرِّ، وإنَّما أنكر استضافة إتيان النُّكْرِ إليه، ونعم! معترفون لها بذُنُوبنا⁽٢⁾، مُنكرونَ على أنفسنا وعلى غَيْرِنا، راجون الأجرَ على إنكارنا، خائفون العقابَ على ما نأتي مِمَّا ندري أنَّه لا يَحِلُّ. ولعلَّ أمرنا بالمعروفِ، وتَعْلِيمَنا الخيرَ، ونهينا عَنِ المنكر؛ يحطُّ به ربُّنا - تعالى - عَنَّا ما نأتي من الذُّنوبِ، فقد أخبرنا - تعالى - أنَّه لا يُضِيعُ عَمَلَ عاملٍ مِنَّا⁽٣⁾.
--------------------
= «.. ليس فيها دليلٌ على ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ إذا كانَ فِعلُ ذلك
ممكناً. » ثمَّ ذكر إنكار أبي بكر الصِّديق - رضي الله عنه - على من وضع هذه الآية في
غير موضعها، وقد تقدَّم حديثه (ص: ١٥٠ هامش: ٣) .
(١) ص: (وإنَّما) .
(٢) كذا الأصل، وقال (ع) : (لها: لا أدري وجه موقعها هنا) .
(٣) وقال القرطبي - رحمه الله - في «تفسيره» [البقرة: ٤٤] : «اعلم - وفَّقك الله تعالى - أنَّ التَّوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البِرِّ، لا بسبب الأمر بالبِرِّ، ولهذا ذمَّ الله - تعالى - في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البِرِّ ولا يعملون بها، وبخَّهم به توبيخاً يُتلى على طول الدَّهر إلى يوم القيامة». وقال ابن كثير - رحمه الله - في «تفسيره» : «إن الله - تعالى - ذمَّهم (أي: اليهود) على هذا الصنيع، ونبَّههم على خطئهم في حقِّ أنفسهم؛ حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المرادُ ذمَّهم على أمرهم بالبِرِّ مع تركهم له، بل على تركهم له، فإنَّ الأمر بالمعروف معروفٌ، وهو واجبٌ على العالم، ولكنَّ الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلَّف عنهم؛ كما قال شعيب - عليه السلام - ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ٨٨﴾ [هود: ٨٨] ، فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجبٌ، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصحِّ قَوْلَي العلماء من السَّلف والخلف، وذهب بعضهم إلى أنَّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها. وهذا ضعيفٌ، وأضعفُ منه تمسُّكهم بهذه الآية، فإنَّه لا حجَّة لهم فيها، والصَّحيح: أنَّ العالم يأمر بالمعروف؛ وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر؛ وإن ارتكبه. قال مالك عن ربيعة، سمعت سعيد بن جبير، يقول: لو كانَ المرءُ لا يأمرُ بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتَّى لا يكونَ فيه شيءٌ ما أمرَ أحدٌ بمعروفٍ، ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدَقَ! مَنْ ذا الذي ليسَ فيه شيءٌ؟ قلت: لكنَّه - والحالة هذه - مذمومٌ على ترك الطَّاعة، وفعله المعصية، لعلمه بها ومخالفته على بصيرةٍ، فإنَّه ليس مَنْ يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديثُ في الوعيد على ذلك». ثمَّ ذكر ابن كثير جملة منها.