الصفحة 163 من 173

وأما الحديثُ المذكورُ فهو رجلٌ غَلَبَتْ معاصيه على حسناتِهِ، فإنْ كانَ مُسْتَحِلاً للمُنْكَرِ الذي كانَ يأتي، ومرائياً بما يأتي به؛ فهذا كافرٌ مخلَّدٌ في نار جهنَّم، ويكفي مِنْ بيان هذا قوله - تعالى -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ۝٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ۝٨﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] . فمنْ أمَرَ بالمعروف، ونهى عن المنكر وعصى مع ذلك، فوالله لا ضاعَ له ما أسْلَفَ مِنْ خير، ولا ضاعَ عندَهُ ما أسلفَ مِنْ شَرّ، وَلَيُوضَعَنَّ كلُّ ما عمله يومَ القيامةِ في ميزانٍ يرجّحه مثقالُ ذَرَّةٍ، ثُمَّ ليجازَيَنَّ بأيّهما غَلَبَ. هذا وعدُ الله الذي لا يخلف الميعاد. وقد أمر - تعالى - فقال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝١٠٤﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ۝١٢٢﴾ [التوبة: ١٢٢] ، فأمر - تعالى - مَنْ نَفَرَ ليتفقه في الدِّين بأنْ يُنْذِرَ قومَهُ، ولم يَنْهَهُ عن ذلك إنْ عصى، بل أطلق الأمرَ عامّاً، وقالَ - تعالى -: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ﴾ [آل عمران: ١١٥] ، فَمَنْ رامَ أنْ يصدَّ عن هذه السَّبيل بالاعتراض الذي قَدَّمنا، فهو فاسقٌ صادٌّ عن سبيل الله، داعيةٌ من دواعي النَّار، ناطقٌ بلسان الشَّيطان، عَوْنٌ لإبليسَ على ما يُحِبُّ مِنْ أنْ لا يُنْهى عن باطل، ولا يأمرُ بالمعروف، ولا يَعْمَلَ خيراً. وقد بلغنا عَنْ مالكٍ أنَّه سُئِلَ عن مسألةٍ فأجابَ فيها، فقالَ له قائلٌ: يا أبا عبدالله! وأنتَ لا تَفْعَلُ ذلك. فقالَ: يا ابنَ أخي! ليسَ في الشَّرِّ قُدْوَةٌ⁽١⁾. ورَحِمَ الله الخَلِيلَ بن أحمدَ⁽٢⁾ - - الرَّجُلَ الصَّالحَ - حيث يقولُ⁽٣⁾:

--------------------

(١) لم أجده، وذكر الطرطوشي في «سراج الملوك» : ليس في الشَّرِّ أسوة، ولا في الحظِّ قدرة.

(٢) الإمام أبو عبدالرحمن الفراهيدي البصري، صاحب العربية، ومنشئ علم العروض، أحد الأعلام. ترجم له الذهبي في «السِّيَر» ١٦١/٧، وقال: ولد سنة مئة، ومات سنة بضع وستين ومئة، وقيل: بقي إلى سنة سبعين ومئة.

(٣) البيت في «عيون الأخبار» ١٢٥/٢، و «نور القبس» ٦١، و «طبقات» الزبيدي ٤٣.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت