فهرس الكتاب
كالكبائر من الزِّنا، وشُرْبِ الخمر، وفعل قوم لوط، والشرك، وما أشبه ذلك. فالتوبة من هذا تكونُ: بالإقلاع، والنَّدَمِ، والاستغفار، وتَرْكِ المعاودة بفعله، وإضمار أن لا يَعُودَ بنيَّتِهِ. فإنْ فَعَلَ التائبُ من هذه الوجوه هذا الفعل سَقَطَ عنه - بإجماع الأُمَّةِ - كلُّ ما فعل مِنْ ذلك بينه وبين ربِّه - تعالى -، وأيضاً فيمَنْ أُقيم عليه الحدُّ مِمَّا ذكرنا، وماتَ مسلماً؛ كانَ ذلك كفَّارةً لما فَعَلَ؛ بنصِّ حديث النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ⁽١⁾.
والضَّرْبُ الثَّاني: من عَطَّلَ فرائضَ الله عَمْداً حتَّى فاتَ وقتها. فقد اختلفَ النَّاسُ، فقومٌ قالوا: يَقْضِيها. وقومٌ قالوا: لا سبيل إلى قضائها. وبهذا نأخُذُ، لأنَّ مَنْ فَعَلَ الشَّيءَ في غير الوقت الذي أَمَرَهُ الله - تعالى - أَنْ يفعله فيه، فلم يَفْعَلِ الشَّيءَ الذي أمره الله - تعالى - أن يفعله، وإنَّما فَعَلَ شيئاً ءاخر. وإذا لم يفعل ما أُمِرَ به فهو باقٍ، وتوبةُ هذا عندنا بالنَّدَمِ، والإقلاع، والإكثار من النَّوافل وفِعْلِ الخير؛ كما جاءَ في الأثر عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن: «مَنْ لم يوفِ فَرْضَ صلاتِهِ جُبِرَ مِنْ تَطَوُّعِ إِنْ وُجِدَ له» ⁽٢⁾. فأَمَّا ما كانَ من هذا فَرْضاً في المال؛ فليؤدِّه متى أَمْكَنَهُ كالزَّكاةِ والكفارات، لأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لم يحدَّ لأحدٍ وقتَ أداءِ الزَّكاةِ والكفارات؛ حَدّاً لا يُتَعَدَّى، كما حَدَّ - عزَّ وجلَّ - للصَّلاةِ حَدّاً، وللصيام وقتاً محدودَ الطَّرَفَيْنِ معلومَ الأَوَّلِ والآخِرِ، يَنْقَضِي وقتُ كلِّ ذلك بخروج أَوَّلِهِ⁽٣⁾.
--------------------
(١) كما في حديث عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه - وكانَ شَهِدَ بَدْراً وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ - وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا باللهِ شَيْئاً، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ. فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ؛ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا؛ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. رواه البخاري (١٨) ، ومسلم (١٧٠٩) .
(٢) تقدَّم نصُّ الحديث، (ص: ١٠١) ، التعليق (٤) .
(٣) تقدَّمت الإشارة إلى هذه المسألة: (ص: ١٠٣) ، التعليق (٣) .