فهرس الكتاب
والضَّرْبُ الثَّالثُ: مَنِ امْتُحِنَ بمظالمِ العِبَادِ؛ مِنْ أَخْذِ أموالهم، وَضَرْبِ أَبْشَارِهم، وَقَذْفِ أغراضِهم، وإخافتهم ظُلْماً، والإفساد عليهم. فالتوبةُ مِنْ هذه؛ الخروجُ عَنِ المالِ المأخوذِ بِغَيْرِ حَقِّهِ وردُّهُ إلى أصحابه أو إلى وَرَثَتِهِمْ. فأمَّا إنْ يردَّها إلى الَّذِينَ غَصَبَها منهم بأعيانهم فقد سَقَطَ الإثْمُ عنه يقيناً، وأمَّا إنْ ردَّها إلى ورثتهم فقد سَقَطَ عنه إثْمُ غَصْبِهِ ما غَصَبَ عن الورثة - أيضاً - وبقيَ حَقُّ الموتى قِبَلَهُ، لأنه فعلٌ ثانٍ. فليُكْثِرْ مِنْ فعل الخير ما أمكنَهُ، فإنْ جَهِلُوا فإلى إمام المسلمين؛ إنْ كانَ لهم إمامٌ عَدْلٌ تَجِبُ طاعته، وإنْ لم يكنْ فلا بُدَّ مِنْ صَرْفِ المال إلى مَصَالح المسلمين، لأنَّه مالٌ لا يُعْرَفُ ربُّهُ، وليكثرْ مع ذلكَ مِنَ الخير لِيَجِدَ أربابُ المتاع ما يأخذونَ مِنْهُ يَوْمَ القيامة، فَلَيْسَ إنْصَافُهُ عَمْراً بِمُسْقِطٍ عنه ظُلْمَ زَيْدٍ. وأمَّا مَنْ تابَ - بِزَعْمِهِ - وهو زامٌّ يديه على ما ظَلَمَ فيه، أو على ما يدري أنَّه ظلمٌ بعينه بَيِّنٌ؛ فهذا مصرٌّ لا تائب، ولكنَّه مُمْسِكٌ عن الازْدِيادِ مِنَ الظُّلْمِ، كإنسانٍ مصرٌّ على الزنا إلا أنَّه لا يَزْني.
وأمَّا التَّوبةُ مِنْ ضَرْبِ إنسانٍ؛ فهو بأنْ يُمَكِّنَ الإنسانَ مِنْ نفسه ليقتصَّ منه أو لِيَعْفُوَ؛ كما رُوِيَ عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنَّه اقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ في ضَرْبَةٍ بِقَضِيبٍ⁽١⁾. فإنْ ماتَ المضروبُ فموعدُهُما يَوْمَ يُقْتَصُّ للشَّاةِ الجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ، ولكنْ لِيَسْتَكْثِرْ مِنْ فعل الخير لِيَجِدَ مَنْ ظَلَمَ ما يأخُذُ وما يترك. وكذلكَ القولُ في سَبِّ الأعراضِ والإخافةِ.
--------------------
(١) روى أبو داود (٥٢٢٤) عن أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ، قال: بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ القَوْمَ، وَكَانَ فيه مِزَاحٌ، بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ؛ فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ، فقالَ: أَصْبِرْنِي! فقالَ: «اصْطَبِرْ!» . قالَ: إنَّ عليكَ قَميصاً، وليسَ عَلَيَّ قَميصٌ، فرفعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَميصِهِ؛ فاحْتَضَنَهُ، وجعلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، قالَ: إنَّما أردتُ هذا يا رسولَ الله! وإسناده صحيحٌ، كما قال الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» . وقد ورد في القصاص من نفسه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث في قصصٍ مختلفة، ينظر: «مصنَّف عبدالرَّزَّاق» باب: قود النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نفسه ٤٦٨/٩، و «مسند الإمام أحمد» والتعليق عليه: ٣٢٧/١٧ - ٣٣٠، . (١١٢٢٩)