الصفحة 171 من 173

يمكّن وليّ المقتول من دمه، فإن قتله فقد اقتصّ منه وانتصف، وإن عفا أو كثر قتلاه؛ فليُلزم الجهاد، وليتعرّض للشهادة جهده، فما أرجو أن يكفّر عنه فعل شيء غيرها⁽١⁾.

فإن اعترض معترض بالحديث الذي فيه أن رجلاً قتل مئة ثم تاب أدخله الله الجنّة⁽٢⁾. فلا حجّة له فيه، لأن ذلك كان في الأمم الذين قبلنا،

--------------------

= مصرّحاً برفعه؛ لكان في حكم المرفوع، لأنه لا يقال بالرأي، وهو وعيد شديد لقتل المسلم بغير حقّ.

(١) وقال في «المحلى» ٤٨/١ (٨٨) بعد أن ذكر في التوبة من ظلم الناس اشتراط تحللهم: «والتوبة من القتل أعظم من هذا كله، ولا تكون إلا بالقصاص، فإن لم يمكن فليكثر من فعل الخير ليَرْجَحَ ميزانُ الحسنات» . قلت: يظهر من هذا أن ابن حزم يرى أنّه ليس للقاتل - والمقصود: قاتل المؤمن - توبة؛ إلا إذا قُتِلَ قصاصاً، والصّواب التّفريق بين التّوبة وبين استيفاء المظلوم لحقّه، أمّا التّوبة فتقبل مطلقاً من أيّ ذنب كان؛ الشّرك الأكبر فما دونه، وأما حقّ المظلوم فلا يسقط بمجرد التّوبة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: أمّا حقّ المظلوم فإنّه لا يسقط باستغفار الظّالم القاتل؛ لا في قتل النّفس، ولا في سائر مظالم العباد، فإنّ حقّ المظلوم لا يسقط بمجرّد الاستغفار، لكن تقبل توبة القاتل وغيره من الظّلمة، فيغفر الله له بالتّوبة الحقّ الذي له، وأمّا حقوق المظلومين فإنّ الله يوفيهم إيّاها: إمّا من حسنات الظّالم، وإمّا من عنده، والله أعلم. (الفتاوى الكبرى: ٦٩٢/٣، وفصّل القول في المسألة في: ١١١/١ - ١١٥) . أمّا ما اشتهر عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - من أنَّ القاتل ليس له توبة، فيفسّره ما رواه ابن أبي شيبة (٢٧٧٤٤/٥) بإسنادٍ صحيح، عن سعد بن عُبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: لِمَنْ قَتَلَ مؤمناً توبةٌ؟ قال: لا؛ إلا النّار! فلمّا ذهب، قال له جلساؤه: ما هكذا كنتَ تُفتينا، كنتَ تفتينا أنَّ لِمَنْ قتل مؤمناً توبةً مقبولة، فما بال اليوم؟ قال: إنّي أحسبه رجل مغضب، يريد أن يقتل مؤمناً. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك!

(٢) رواه البخاريُّ (٣٤٧٠) ، ومسلم (٢٧٦٦) - واللَّفظ له - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «كانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا! فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ! وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا! فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً=

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت