الصفحة 172 من 173

هكذا نصُّ الحديثِ المذكورِ، وكانتْ أحكامُ تلكَ الأُمَمِ بخلافِ أحكامِنا، قالَ الله - تعالى -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ⁽١⁾، وفي الحديثِ نَفْسِهِ أنَّ توبةَ ذلكَ القاتلِ كانتْ بأنْ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ - قريةِ السُّوءِ - إلى قريةِ قومٍ صَالِحِينَ⁽٢⁾، وهذا لا معنى لَهُ عِنْدَنا ولا في دِينِنا بإجماعِ

--------------------

= يَعْبُدُونَ الله، فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ، حَتَّى

إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ؛ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ،

فَقَالَتْ: مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى الله. وَقَالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ

يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ! فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ ءادَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ

الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ، فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ،

فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ».

(١) مذهب المصنِّف - رحمه الله - أنَّ شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. قرَّر هذا وشرحه في «الإحكام في أصول الأحكام» (الباب: ٣٣) ، وهو الصَّواب. لكن قال القاضي عياض - رحمه الله - في الحديث المذكور: «وفيه أنَّ التوبة تنفعُ من القتل، كما تنفع من سائر الذنوب، وهو وإنْ كانَ شرعاً لمن قَبْلَنا، وفي الاحتجاج به خلاف، لكن ليسَ هذا من موضع الخلاف، لأنَّ موضع الخلاف إذا لم يرد في شرعنا تقريره وموافقته، أمَّا إذا ورد فهو شرع لنا بلا خلاف، ومن الوارد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ ۝٤٨﴾ [النِّساء: ٤٨ و١١٦] ، وحديث عبادة بن الصَّامت ففيه - بعد قوله: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ﴾ وغير ذلك من المنهيات -: «فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» ، مُتَّفَقٌ عليه. نقله الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في «الفتح» وقال: ويؤخذ ذلك - أيضاً - من جهة تخفيف الأصار عن هذه الأُمَّة بالنسبة إلى من قبلهم من الأمم، فإذا شرع لهم قبول توبة القاتل فمشروعيتها لنا بطريق الأولى. قلت: ولهذا استدل بالحديث أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: «وليس في الكتاب والسُّنَّة، ما ينافي ذلك» (الفتاوى الكبرى: ١١٢/١) .

(٢) ليس هذا بصريح في الحديث، بل الظاهر أَنَّ العالم أرشده إلى الخروج من قريته ليبتعد عن أسباب الشَّرِّ، ولم يكن ذلك شرطاً في توبته، ولعلَّ المصنِّف فهم ذلك من حكم الملك بأن يقيسوا بين الأرضين. وهذا لا دليل فيه، لأَنَّ الملائكة اختصموا فيه لأَنَّه لم يعمل خيراً قط في الظاهر، ففَصَلَ الملك بينهم بعمل ظاهر وهو الهجرة من أرض السوء، أما قبول توبته - في نفس الأمر - فذلك بينه وبين الله - تعالى - ، والله أعلم. وقال في «الفتح» : وفيه فضل التَّحَوُّل من الأرض التي يُصيب الإنسان فيها المعصية، لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك؛ إِمَّا لتَذَكُّره لأفعاله الصَّادرة قبل=

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت