الصفحة 79 من 173

[١] قول الزُّورِ، وشهادة الزُّورِ⁽١⁾.

--------------------

(١) الزُّور: الباطل والكذب، وأصله من الازورار بمعنى الميل والاعوجاج، وكل ما عدا الحقِّ فهو كذب وباطل وزور. قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ، وعن أبي بَكْرَةَ - رضي الله عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّه قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ؛ ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا؛ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» ، قال: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ! رواه البخاريُّ (٢٦٥٤) ، (٦٢٧٣) ، وفي رواية

(٥٩٧٦) : «ألا وقول الزُّور، وشهادة الزُّور» . وفي رواية ثالثة (٦٩١٩) : «وشهادة الزُّور، أو قول الزُّور»؛ وأخرجها مسلم (٨٧) . وفي الباب حديث شعبة، عن عُبيدالله بن أبي بكر، عن أنس نحوه، ووقع فيه الشك أيضاً: «قول الزُّور، أو قال: شهادة الزُّور»، قال شعبة: وأكبر ظنِّي أَنَّه: «شهادة الزُّور» . أخرجه البخاريُّ (٥٩٧٧) ، ومسلم (٨٨) . قال ابن حزم في «المحلَّى» (٢٢٢٩) : مسألة حكم القذف): «ليس شكُّ الرَّاوي بين قوله - عليه السلام -: «شهادة الزور» أو: «قول الزور» بمحيل شيئاً من حكم هذين الخبرين، فأيُّ ذلك كان؛ فالمعنى فيه واحدٌ لا يختلف، لأنَّ كلَّ قولٍ قاله المرءُ غيرَ حقٍّ فقد شهدَ به، وكل شهادةٍ يشهد بها المرءُ فقد قالها، فالقولُ شهادة، والشَّهادة قول، وهذه الشَّهادة هي غير الشَّهادة المحكوم بها، قال الله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ، فهذه الشَّهادة هي القولُ المَقُولُ، لا المُؤَدَّاةُ عند الحاكم بصفةٍ ما»، ثمَّ قال: «وقول الزور من الكبائر، كما بيَّن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وإلى هذا المعنى ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في: «مجموع الفتاوى» ١٦٩/١٤، وهو قولٌ صحيح، لكن الظَّاهر أنَّ (قول الزور) هنا ليس المقصود به كل ما كان كذباً وباطلاً من القول؛ «لأنَّا لو حملناه على الإطلاق؛ لزم أن تكون الكِذْبة الواحدة - مُطْلَقاً - كبيرة؛ وليس كذلك»؛ كما قال الإمام ابن دقيق العيد - ونقله ابن حجر في: «فتح الباري» -، ولهذا فسَّر السلف قول الزُّور في الآية المذكورة؛ بالكذب والفرية على الله - تعالى - والتَّكذيب له، وبالشِّرك، وبما يدل عليه السِّياق من قولهم في الأنعام: هذا حلال وهذا حرام. ويؤيِّد هذا أن الله تعالى وصف بالزور ما كان منكراً عظيماً من القول، فقال في الكفار الذين كذَّبوه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا ۝٤﴾ [الفرقان: ٤] ، وقال في الذين يظاهرون من نسائهم - ويقول الواحد منهم لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي -: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] ، فيندرج تحت (قول الزور) ما كان من هذا الجنس؛ كالغيبة، والنميمة، والقذف. وفسَّره السَّلف - أيضاً - بشهادة الزور؛ بالمعنى الآخر الذي أشار إليه ابن حزم، وهو - كما قال القرطبيُّ، ونقله ابن حجر في: «الفتح» -: =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت