فهرس الكتاب
قَالَ: وَإِذَا بَلَغَ الْعَبْدُ إِلَى حَالِهِ الْمُرَاقَبَةِ، ثُمَّ إِلَى حَالِهِ فَنَاءِ الْمُرَاقَبَةِ بِقِيَامِ الْمُرَاقِبِ جَلَّ وَعَزَّ وَرَاءَهُ؛ خَرَجَ عَنْ حَالِ الْمُرَاقَبَةِ إِلَى حَالِ الْقُرْبِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ صلى الله عليه وسلم أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ وَهَمِّهِ وَمِنْ نَفْسِهِ. وَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ الْمُرَاقَبَةَ تَخْرُجُ إِلَى جَمِيعِ الأَحْوَالِ الشَّرِيفَةِ، لأَنَّهَا أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَالدَّرَجَاتِ وَأَوَّلُ أَحْوَالِ الْخُصُوصِ، وَهِيَ فَرِيضَةُ الْخُصُوصِ وَالْمَعَارِفِ، فَمِنْ أَهْلِ الْمُرَاقَبَةِ مَنْ أَشْهَدَهُ اللهُ عز وجل مَا يَكُونُ مِنْ نَفْسِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَهَمِّهِ، مَعَ رُؤْيَةِ قُرْبِ اللهِ عز وجل مِنْهُ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ شِدَّةُ الْخَوْفِ وَالْوَجَلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَخْرُجُ إِلَى حَالَةِ الْهَيْبَةِ وَالْعَظَمَةِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ شَهِدَ قُرْبَ اللهِ عز وجل مِنْهُ، فَأَفْنَاهُ ذَلِكَ وَحَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ؛ فَلَزِمَهُ لِذَلِكَ الْحَيَاءُ والانْقِبَاضُ وَالْحَصْرُ / [ ] ⁽٢⁾ جِهَةَ الْقُرْبِ مَا [أَهَمَّهُ] وَأَزْعَجَهُ، وَإِنْ كَانَ [ ] ⁽٣⁾ وَبِالأَذْكَارِ مُتَّصِلًا. وَأُرِيَ مَوَاضِعَ نِعَمِ اللهِ عز وجل عَلَيْهِ قَدِيماً، ثُمَّ نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِ فِي قُرْبِهِ مِنْهُ، وَأَرَاهُ ذَلِكَ وَأَشْهَدَهُ مِنْ خَفَايَا لُطْفِهِ وَتَوَاتُرِ نِعَمِهِ وَقَدِيمِ اخْتِصَاصِهِ لَهُ وَذِكْرِهِ قَبْلَ خَلْقِهِ وَتَكْوِينِهِ، [فَأَدَّاهُ] ذَلِكَ إِلَى صَفَاءِ الْمَحَبَّةِ والاسْتِهْتَارِ بِهَا؛ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا فِي مَوَاضِعِهَا عَلَى أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أُصُولَهَا. فَأَمَّا الْقُرْبُ؛ فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقُرْبُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ قَرِيباً مِنْ رَبِّهِ، فَيَكُونُ الرَّبُّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ قَرِيباً، وَقُرْبَةُ الْعَبْدِ مِنَ اللهِ هُوَ مِنَ
--------------------
(١) ليس المقصود بالفناء هنا ما هو معروف عند الغلاة من سقوط التكليف، وإنما المراد أن العبد الذي يلازم مراقبة الله يصل بفضل ذلك إلى مرتبة أعلى منها، وهي مرتبة القرب، وحينئذ لم تعد المراقبة في حقه ذات أولوية لأنها مبنية على حراسة النفس من الزلل أثناء السير إلى الله، وهو قد أصبح بمجاهدته لنفسه من المهتدين المحفوظين.
(٢) خرم في الأصل بمقدار نصف سطر.
(٣) خرم في الأصل بمقدار كلمتين.