الصفحة 104 من 109

التَّقَرُّبَ بالطاعاتِ والخِدْمَةِ والموافَقَةِ، فَيَكُونُ قُرْبُ اللَّهِ جل جلاله مِنْهُ ثَوَابَه وعِصْمَتَه، قَالُوا: فهذا مَعْنَى القُرْبِ من العبدِ هو الطاعةُ، والقُرْبُ من اللَّهِ جل جلاله هو الثوابُ والعِصْمَةُ. وقَالَت طائفةٌ: بل القُرْبُ شُغْلُ القَلْبِ باللهِ جل جلاله، وبِأَمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ لا يَجِدُ أهلُ هذه الحالِ أقْرَبَ إلى رَبِّهِم جل جلاله من هذه الخِصالِ. وقالت طائفةٌ: بل قُرْبُ اللَّهِ جل جلاله من العبدِ، فَعَلَى قَدْرِ عَمَلِ العَبْدِ بذلك يكونُ قريباً؛ نَحْوَ قوله جل جلاله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وقوله: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»، وقوله جل جلاله: «أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي» ⁽١⁾، «مَنْ ذَكَرَنِي [في نَفْسِهِ ذَكَرْتُه في نَفْسِي] » ، وقوله صلى الله عليه وسلم لموسى صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَقْرَبُ إليكَ منكَ وَمِنْ هَمِّكَ، وَاذْكُرْنِي عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ»⁽٢⁾. ومِنْ ذلك قولُ عامرِ بنِ عبدِ الله: ما رأيتُ شيئاً قَطُّ إِلَّا رأيتُ اللَّهَ جل جلاله قَبْلَه، أو قال: رأيتُ اللَّهَ جل جلاله أقْرَبَ إليَّ منه ⁽٣⁾. واللَّهُ جل جلاله ليس كمِثْلِهِ شيءٌ ليس كالقُرْبِ، ويَدِقُّ هذا حتَّى يكونَ المرءُ أقربَ من الرؤية / [ ] ⁽٤⁾ أولياءَ من القُرْب، لأَنَّ القُرْبَ يَدلُّ على [ ] ⁽٥⁾ المسافةِ، وإنَّما يَشْهَدُ كلُّ ذلك بالمعقولِ والوَهْمِ والنفوسِ و [العُلوم] ، فيُوجَدُ اللَّهُ جل جلاله أقْرَبَ إليكَ من عَقْلِكَ، ومِنْ هَمِّكَ، ومِنْ نَفْسِكَ، ومِنْ عِلْمِكَ؛ بل هو أقْرَبُ من ذلك كلِّه.

--------------------

(١) رواه أبو عبيد في المواعظ والخطب؛ رقم: ٤١.

(٢) لم أجده هكذا، وروى نحوه من وصية سلمان الفارسي لسعد بن أبي وقاص: ابن السني في القناعة، رقم: ٢٦.

(٣) ذكره من قول عامر بن عبد القيس القرطبي في تفسيره (١٧/ ٢٣١) .

(٤) خرم في الأصل بمقدار سطر.

(٥) خرم في الأصل بمقدار نصف سطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت