الصفحة 105 من 109

فهذا هو القُرْبُ الذي يشير إليه جميع الناس على اختلافهم في فروعه، وفي العبارة والألفاظ. وقالت طائفةٌ زادُوا على هَؤُلاء مَرْتَبةً: ذلك اتِّصالُ الهِمَّةِ باللهِ عزّ وجلّ، حتّى يكونَ اللهُ عزّ وجلّ أَغْلَبَ عَلَيْهِ مِمّا سِواهُ، قالَ: ثمّ يَبْدُو لهم أَيضًا من هذه الحال ما يَزيدُ عَلَيها، ويَحْجُبُ عَنْها، فيُفْزِعُهم هذا من جهةِ العِلمِ بأنْ يكونَ لهم مَصْحُوبًا، إذْ لا يَخْلُونَ من ذلك من حيث إحاطةُ اللهِ بالأشياء، لأنّه بكلِّ شيءٍ مُحِيطٌ. وهُم لذلك غَيْرُ مُشاهدينَ، ثمّ شَهِدُوا بعد ذلك ما لا تحيطُ به العِبارةُ، ويكونُ بكلِّ ما وَصَفْنا فيه هذا عند قُرْبِ الإشارةِ التي تكونُ أَدَقَّ من العبارةِ، وهو اليَقينُ الذي في القَلْبِ، ويكونُ اسمُ القُرْبِ عِنْدَهم بُعْدًا ⁽١⁾. وليسَ قَصْدُ هؤلاءِ في ذلك القُرْبِ، بل قَصْدُهم القَريبُ عزّ وجلّ، فتُغْنِيهم وتَحْجُبُهم رُؤْيةُ القَريبِ عن رُؤْيةِ القُرْبِ، فيكونُ بالقُرْبِ لا بالقُرْبِ، واتِّصالُهُ بالقريبِ عزّ وجلّ وَحْدَهُ دونَ ما سِواهُ من قُرْبِ غَيْرِهِ، ويكونُ العِلمُ يَصِفُهم بذلك، وهُم له غَيرُ مُشاهدينَ لمَا اقْتَطَعَهم القريبُ، ويكونُ الأقربُ إليكَ مِنْكَ، وإلى نَفْسِكَ من نَفْسِكَ، وإلى هَمِّكَ من هَمِّكَ، وإلى قَلْبِكَ من قَلْبِكَ. وأُمَثِّلُ لك في ذلك مَثَلًا مُجْمَلًا: الأشياءُ دونَ اللهِ عزّ وجلّ إِنّمَا تُدْرَكُ بالحَواسِّ، أو بالمُشاهَدةِ، أو بالخَبَرِ، أو بالتَّوَهُّمِ، أو بالعقول؛ فكلُّ هذه الجوارحِ والحَواسِّ والأسباب التي ذَكَرْنا ما لها / [ ] ⁽٢⁾ التَّوهُّمُ إلا إيمانًا، وهُوَ الأوّلُ والآخِرُ، والظاهِرُ والباطِنُ. فإذا اسْتَقَرَّ على ذلك وَجَبَ أن يكونَ أقربَ إلى نَظَرِكَ من نَظَرِكَ، وإلى

--------------------

(١) وهذا حال يكون فيه العبد بفضل ربه ونعمته عليه ملتفتا إلى الفحاوي غير جامد على الألفاظ، لأن العبرة بالمعنى لا بالمبنى.

(٢) خرم في الأصل بمقدار نصف سطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت