فهرس الكتاب
قَلْبِكَ مِنْ قَلْبِكَ، وَأَلْقِ نَفْسَكَ مِنْ نَفْسِكَ، وَإِلَى هَمِّكَ مِنْ هَمِّكَ؛ إِذْ كَانَ قَبْلَ القَبْلِ. فَهَذِهِ جُمَلٌ كَافِيَةٌ، وَشَرْحُهَا وَتَفْسِيرُهَا يَدِقُّ وَيَجِلُّ عَلَى قَدْرِ الْمُشَاهَدِينَ لِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ قُرْبِهِ، فَكُلٌّ فِي المَرْتَبَةِ الَّتِي أَقَامَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا مِنَ القُرْبِ وَالمُشَاهَدَةِ التِي تَصْلُحُ لَهُ مِنْهَا، غَيْرَ مُتَعَدٍّ طَوْرَهُ؛ فَإِنْ زَادَ عَلَى مِقْدَارِهِ تَكَلُّفاً كَانَ بِذلِكَ نَاقِصاً. وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّكَلُّفُ فِي السَّعْيِ وَالتَّكَسُّبِ فِيمَا تُعُبِّدْتَ بِهِ أَوْ حُضِضْتَ عَلَيْهِ؛ فَيَجِبُ فِي ذَلِكَ الْمُبَادَرَةُ وَالْمُنَافَسَةُ وَالسَّعْيُ عَلَى صِحَّةِ المَسِيرِ. وَأُعْطِ كُلُّ خُطْوَةٍ حَظَّهَا مِنَ العِلْمِ وَالنُّزُولِ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ لِوَقْتِهَا؛ فَأَمَّا مَوَاهِبُهُ وَعَطَاؤُهُ وَخَصَائِصُهُ، وَمَا تَوَلاَّهُ لأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ خَاصَّتِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَالصِّدِّيقِينَ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ؛ فَهُمْ مُطَالَبُونَ فِيهِ بِالنُّزُولِ حَيْثُ نُزِّلُوا، وَالوقُوفِ حَيْثُ رُتِّبُوا، لا يُجَاوِزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِقْدَارَهُ، وَبِلُزُومِهِ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَباً لِمَزِيدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، وَنَقْلَتِهِ مِنَ الأَدْنَى إِلَى الأَعْلَى. وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ المَقَامَاتِ؛ فَلِلْمُتَصَوِّفَةِ والنُّسَّاكِ وَالمُتَقَشِّفَةِ⁽١⁾ وَلأَهْلِ العِلْمِ فِيهِ حُجَجٌ وَمَقَالاَتٌ، وَاخْتِلاَفٌ وَمُوَافَقَاتٌ، وَلَمْ يَكُنْ عَرْضُنَا فِي هَذَا الكِتَابِ ذِكْرَ المقَامَاتِ وَلاَ الاحْتِجَاجَاتِ. وَإِنَّمَا اخْتَصَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا اتَّفَقُوا عَلَى مَعْنَاهُ، لِيَكُونَ إِمَاماً لِلْقَاصِدِينَ، وَطَرِيقاً لِلْمُرِيدِينَ⁽٢⁾، وَمَحَجَّةً لِلسَّالِكِينَ؛ فَإِنْ صَدَقَ المُرِيدُ فِي قَصْدِهِ، وَأَخْلَصَ فِي تَوْبَتِهِ، وَسَلَكَ مَحَجَّةَ العِلْمِ وَسَبِيلَ السَّلَفِ؛ أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ وَصْفِ مَا نُصِفَتْ لَهُ.
--------------------
(١) المقْصُودُ بهم أهل الزهد والورع، وليس الغلاة الذين حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم.
(٢) المقصود من أراد وجه الله والدار الآخرة، وليس المقدسين للبشر من الغالين.