الصفحة 97 من 109

غير أن الله عز وجل عبادًا لم يقصدوا في ذلك أكثر من التعبد بحال ما أجراه الله عليهم، وأقامهم فيه من العُبُودِيَّةِ، وَرَتَّبَهُم فيه من الخِدْمَةِ؛ فهؤلاء مع الله عز وجل، [مَا لَهُم] سَبَبٌ دونه، وهم أعلى القوم. وكذلك اختلف أهلُ الصمت في قُصُودهم، منهم مَنْ صَمَتَ مُعَاقِباً لنفسِهِ، مُقْتَصّاً منها؛ لما أهملها قبل ذلك في الخوض، ومنهم مَنْ صَمَتَ لِيَسْلَمَ، ومنهم مَنْ صَمَتَ لِيَجْتَمِعَ له همُّه. والصمت على ثلاثة مَعَانٍ: صَمْتٌ باللسان عن الكلام⁽١⁾، وَصَمْتٌ بالقلب عن حديث النفس فيما ليس لها وَصَمْتٌ عن حديث النفس فيما لها من مُبَاحٍ وإِنْ لم يكُنْ مَعصيَةً، وَصَمْتٌ عن مُحَادَثةِ النفس بالطاعة قبل نُزُولِ الحُكْم بها؛ بل يكون مُطِيعاً فيما هو فيه في وَقْتِهِ، مَشْغُولاً⁽٢⁾ به عن الوقت التَّالي الذي لم يأت. ولله عبادٌ إليه ناظرون، وبه مُشْتَغِلُون، وَعَلَيه مُقْبِلون؛ لا يَبْدُو لهم بادي في أسرارهم من بِرِّ إلَّا انْتَهَزُوه وتَلَقَّوْه من مَعْدِنِهِ؛ إِمَّا بِحُجَّةٍ ظاهرة، وإِمَّا بإشارةٍ باطنة، وإِمَّا بقدرةٍ قاهرةٍ؛ فهؤلاء عبادُه المخلَصُون، خَلَصُوا من تَدْبِيرِ نفوسهم؛ فهم في خِدْمَتِهِ يُدَبِّرُهم، وفي طاعته ومَحَبَّتِهِ يُنَشِّئُهُم، مُهَيَّأُونَ لما له خَلَقَهُم، وبه / [أَمَرَهُم] . والحالُ الرابعةُ من أحوالِ العَبدِ [ ] ⁽٣⁾ صلاحهم، ومَطِيَّتُهُم التَّقَلُّلُ من الغِذَاءِ وَتَرْكُ الشهوات، بها يَقْوَوْنَ على ما ذَكَرْنَا من جميع العبادات.

--------------------

(١) إذا لم يكن خيرا، أي إما أن يقول الخير أو يصمت؛ وليس المقصود الكف عن الكلام مطلقا فذلك دليل العياية.

(٢) في الأصل: مشغول.

(٣) خرم في الأصل بمقدار نصف سطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت