فهرس الكتاب
غَيْرَ أَنَّ اللهَ عِباداً قَدْ أَماتَ شَهَواتِهِمْ، [وَكَرَّهَ] نُفُوسَهُمْ ظِلْفاً وَطَرَفاً⁽١⁾، فَلَوْلَا أَنَّ الأَجْسامَ لا تَقُومُ إِلَّا بالغِذاءِ ما أَرادوهُ؛ فَهؤلاءِ لا حَظَّ لَهُمْ في الطَّعامِ والشَّرابِ إِلَّا ما لا بُدَّ مِنْهُ، فَهُمْ غَيْرُ مُخْتارينَ لِلقَليلِ مِنْهُ وَلَا لِلكَثيرِ، وَلَا لِلّيِّنِ وَلَا لِلْخَشِنِ؛ فَهُمْ لِمَا أَطْعَمَهُمْ آكِلونَ شَاكِرونَ، لا تَكادُ تَبْدُو لَهُمْ فيهِ شَهْوَةٌ إِلَّا في شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ بِهِ القَسْمُ، فالشَّهْوَةُ بِقَسْمٍ مُوافِقَةٌ، ومَا كانَ سِوى ذلِكَ فَلَا حَظَّ يَبْدُو عَلَيْهِمْ فِيهِ كالعامَّةِ. والحالُ الخامِسَةُ: تَرْكُ الشَّهَواتِ، وهِيَ داخِلَةٌ فِيما ذَكَرْنَا مُقَدَّمَةً فِيهِ. والحالُ السادِسَةُ في العِبادَةِ: العُزْلَةُ، وهِيَ عَلَى مَعانِي كَثيرَةٍ؛ فَأَوَّلُها الفِرارُ إِلَى اللهِ عز وجل مِنَ النَّفْسِ لِيَتَوَلَّى صَلاحَها. والثَّانِي الهَرَبُ مِنَ النَّاسِ لِقَواطِعِهِمْ عَنِ العِبادَةِ، وَلِطَلَبِ السَّلامَةِ وَمُعْتَرَضِ العُزْلَةِ، ومُفارَقَةِ الأَسْبابِ مِنَ العُرُوضِ لِقَواطِعِها. والمعنَى الثَّالِثُ مِنَ العُزْلَةِ مُفارَقَةُ النَّفْسِ فِي رُؤْيَةِ العُزْلَةِ، لِيَسْلَمَ مِنَ العُجْبِ ودُخُولِ الآفَةِ والخُدْعَةِ؛ فَتَعْتَزِلُ العُزْلَةَ كَمَا اعْتَزَلْتَ عَنِ النَّاسِ بالعُزْلَةِ، بل يَكونُ الأَغْلَبُ عَلَيْها ذِكْرُ اللهِ عز وجل، وأَنَّ ما بِنَا مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ يَجِبُ شُكْرُها. عَلَى أَنَّهُ لا يَصِلُ أَحَدٌ إِلَى ذلِكَ دونَ قَطْعِ جَميعِ العلائِقِ والأَسبابِ، ومُفارَقَةِ صِفاتِهِ وأَسبابِهِ المحظورَةِ والمباحَةِ، والتَّخَلِّي مِنَ الإخوانِ والأصحابِ إِلَّا ما لا بُدَّ مِنْهُ؛ فإذا صارَ العَبْدُ كَذلِكَ كُشِفَ لَهُ عَنْ قَلْبِهِ مِنَ الحُجُبِ بِقَدْرِ ما فارَقَ مِنَ الأسبابِ؛ وكذلكَ إِنْ بَقِيَ عَليهِ سَبَبٌ لَهُ عَنْهُ غِنَىً كانَ حِجاباً عَلَى قَلْبِهِ، مُحِيلاً⁽٢⁾ بَيْنَهُ / [وبين الرجوع] إلى الحَقِّ وزَواجِرِ العِلْمِ وإشاراتِ القُرْبِ.
--------------------
(١) الظِّلْف الحاجة والمتابعة في الشيء، والطرف المال المستفاد كما في لسان العرب.
(٢) في الأصل: محيل.