الصفحة 99 من 109

وَضَحَ لهُ وحدَه؛ وتَوَارَدَتْ عليهِ الهمومُ، وتَنَاتَجَتْ في قلبِهِ المعارفُ؛ فَصَفَا لذلكَ ذِهْنُهُ، وَرَقَّ لُبُّهُ، وَقَرُبَ من بُعْدِهِ، ثم لم يَنْفَكَّ من العملِ بما وَقَعَ في قلبِهِ بصِدْقِ الخاطرِ، و [صِحَّةِ] الواردِ مِنَ المَعْدِنِ. فإِذَا فَعَلَ ذلكَ ازْدَادَ قُرْباً إِلى قُرْبِهِ، فعندَ ذلكَ [تَظْهَرُ] لهُ أولُ أعلامِ المراقبةِ، وبها يَخْرُجُ إِلى علمِ الخاصَّةِ، وإِنْ كانَ علمُ العامةِ وأحكامها غيرَ مُفَارِقَةٍ له ⁽١⁾، ولكنْ يَخْرُجُ إِلى أحوالِ الخصوصِ التي يَخْتَصُّ اللهُ بها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ من خالصِ الأذكارِ. وأَوَّلُها المراقبةُ، وهي أَحَدُ أركانِ الإيمانِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: علمُ الخاصةِ؛ لأَنَّ الخلقَ ليسَ كُلُّهم اللهَ [مُرَاقِبَاً] في كلِّ حالٍ وفي كلِّ وَقْتٍ، وإِنَّمَا أَبْنَاهُم من العامةِ لأَنَّهم اسْتَعْمَلُوا المراقبةَ للهِ صلى الله عليه وسلم في كلِّ حالٍ وفي كلِّ وقتٍ. وإِنَّهُ لنْ يَصِلَ عبدٌ إِلى المراقبةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ هَمُّهُ، ويكونَ قدْ عَمِلَ في جَمْعِ الهَمِّ قَبْلَ ذلكَ، ولا يَجْتَمِعُ لِعَبْدٍ هَمُّهُ حتى تَنْقَطِعَ علائِقُهُ، ولا تَنْقَطِعُ علائِقُهُ حتَّى يكونَ زاهداً، ولا يكونُ زاهداً حتى تَقِلَّ رَغْبَتُهُ، ولا تَقِلُّ رَغْبَتُهُ حتَّى يَقْصُرَ أَمَلُهُ، ولا يَقْصُرُ أَمَلُهُ حتى يَعُدَّ نَفْسَهُ في الأمواتِ، ولا يَعُدُّ نَفْسَهُ في الأمواتِ إِلَّا بعدَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ للموتِ. ولا يكونُ ذلكَ أَو يَثْبُتُ الإيمانُ بالموتِ في قَلْبِهِ، فَيُؤْمِنَ بهِ وَيُبَاشِرَ قَلْبَهُ ذِكْرُهُ؛ فيكونَ كَمَيِّتٍ بينَ الأحياءِ وكَحَيٍّ بينَ الأمواتِ؛ [إِلَّا] بالذكرِ. وَلَوْلَا شُرُودُ النفسِ عن الحقِّ، وَدَنَسُهَا بالذنبِ، وغَفْلَتُها بالقسوةِ، وطَاعَتُها الهوَى، وَرَغْبَتُها في العاجلِ، وتَنَاسِيها الآجِلَ؛ لكانَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ذِكْرِ الموتِ الذي هو أولُ المنازلِ بعدَ الإيمانِ كافياً لهُ عَنْ جميعِ مَا ذَكَرْنَا

--------------------

(١) هذا يعني أنه أصبحت له درجة أعلى في الإيمان، ولا شك أن المؤمنين متفاوتون في ذلك، فمنهم المقربون وأصحاب اليمين، والسابقون والمقتصدون؛ وكلهم على خير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت