فهرس الكتاب
)أي: المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء: كون العبد يسأل الله مسائل، لا تصلح له، أو ينقطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه ...
15 - (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال: 58)
وإذا كان بينك وبين قوم، عهد وميثاق على ترك القتال فخفت منهم خيانة بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. (فانبذ إليهم) عهدهم، أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنه لا عهد بينك وبينهم. (على سواء) أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بذلك، ولا يحل لك أن تغدرهم، أو تسعى في شيء مما منعه، موجب العهد، حتى تخبرهم بذلك. (إن الله لا يحب الخائنين) بل يبغضهم أشد البغض، فلا بد من أمر بيِّن، يبرئكم من الخيانة. ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف منهم، بل علم ذلك، ولعدم الفائدة ولقوله: (على سواء) ، وهنا قد كان معلوما عند الجميع غدرهم. ودل مفهومها أيضا، أنه إذا لم يخف منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته ...
16 - (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ قُلُوبُهُم مّنكِرَةٌ وَهُم مّسْتَكْبِرُونَ* لاَ جَرَمَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)
قوله تعالى: (إلهكم إله واحد) = هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فأهل الإيمان والعقول، أحلته قلوبهم وعظمته، وأحبته حبا عظيما، وصرفوا له كل ما استطاعوا من القربات البدنية والمالية، وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وأثنوا عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته وأفعاله المقدسة، (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره إلا أعظم الخلق جهلا وعنادا ... ، وهو: توحيد الله ... (وهم مستكبرون) عن عبادته. (لا جرم) أي: حقا .. لا بُد (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) من الأعمال القبيحة .. (إنه لا يحب المستكبرين) بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم من جنس عملهم (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) ..
17 - (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (الحج: 38)
هذا إخبار، ووعد، وبشارة من الله، للذين آمنوا، أن الله يدفع عنهم كل مكروه. ويدفع عنهم ـ بسبب إيمانهم ـ كل شر من شرور الكفار، وشرور وسوسة الشيطان، وشرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم ويحمل عنهم عند نزول المكاره، ما لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف. كل مؤمن، له من هذه المدافعة والفضيلة،