الصفحة 4 من 27

إن هذا الكتاب لم يكن مقصودا منذ البداية ولم أضع خطته أولا ولكن البحث والتنقيب لغرض التعلم الشخصي هو الذي أخرجه فأن الحقائق لا تكتشف مرة واحدة ولكن بعضها يهدي إلى بعض. إن البناء العلمي لا ينفرد به احد، وكل احد يمكن أن يمهد السبيل لغيره. لذلك عمدت إلى نشر هذا الكتاب وتعميمه ليطلع عليه أهل العلم والاختصاص في اللغة والتفسير ويقوموا بتمحيصه فأن البحث جديد، وان الرأي محدث، ولعلي أجد يوما من ييسر له الباري عز وجل وضع كتاب في التفسير وفق النظام الذي سوف يتوضح في هذا الكتاب.

اسأل الله المعافاة من الزلل والتجاوز عما وقع منه انه واسع المغفرة وهو اللطيف الخبير.

التمهيد

نقل السيوطي في كتاب الإتقان اختلاف العلماء في معنى نزول القرآن على سبعة أحرف على خمسة وثلاثين قولا ً حيث قال ( قال ابن حبان: فهذه خمسةً وثلاثون قولًا لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف وهي أقاويل يشبه بعضها بعضًا وكلها محتملة ويحتمل غيرها ) .

في الحقيقة إن موضوع نزول القرآن على سبعة أحرف من المواضيع الشائكة يدل على ذلك ما ذكره الأستاذ القطان إن ابن سعدان النحوي وهو القارئ الكوفي المعروف يرى إن الحديث مشكل ولا يدرى معناه.

لذلك أجزت لنفسي أن ابدي رأيًا في الموضوع وهو أن عبارة نزول القرآن على سبعة أحرف لا يلزم أن تعني نزول القرآن على سبعة ألفاظ وان كان هذا احد معاني الحرف فان الحرف قد يستعمل في معنى اللفظ وقد يستعمل في دلالة اللفظ يدل على ذلك ما أخرجه ابن جرير وأبو يعلى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر، ما عرفتم منه فأعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه )

أقول إن قوله ( ما عرفتم منه فأعملوا به) يعني ما فهمتم من دلالته ومعناه. أما قوله (وما جهلتم ) يعني ما لم تفهموه. إن سياق الحديث يدل على أن معنى الحرف هنا هو دلالة اللفظ.

ومن هذا القبيل ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس انه قال (انزل القرآن على سبعة أحرف، حلال وحرام لا يعذر احد بالجهالة به . وتفسير تفسره العرب . وتفسير تفسره العلماء . ومتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب ) إن ابن عباس استعمل لفظ الحرف هنا بمعنى الدلالة والمعنى لأنه ذكر عدة أنواع من التفسير أي عدة أنواع من الدلالة .

أما قوله تعالى ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) الحج /11 فقد قيل أن معنى الحرف هنا هو الوجه وان المقصود من يعبد الله على وجه واحد هو وجه السراء دون الضراء ولهذا قيل في تفسير الآية انه الذي يعبد الله على طمع، إن معنى الحرف في هذه الآية هو قصد الانتفاع في الدنيا دون الآخرة وان تفسير الحرف بمعنى دلالة اللفظ يعني أيضا قصد المتكلم منه ويؤيد ذلك أن لفظ التحريف وهو مشتق من الحرف كما يستعمل في تغيير الألفاظ وتبديلها يستعمل أيضا في صرف الكلام أو اللفظ عن دلالته ومعناه فقوله تعالى ( يحرفون الكلم عن مواضعه) المائدة /13 يعني يصرفون الكلام عن دلالته ويفسرونه على غير وجهه المقصود . قال بذلك الراغب الاصفهاني في مفرداته ، مادة (كلم)

إن تفسير الحرف بمعنى الوجه ليس بعيدًا عن معنى الدلالة أو القصد ومن ذلك قول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ( القرآن حمال أوجه ) .

إن هذا البحث يقوم على هدف إثبات أن اللفظ القرآني يستعمل في الدلالة على سبعة معان وهي التي أوضحتها في المقدمة إضافة إلى المعاني اللغوية التي تختلف باختلاف الألفاظ. إن نظام الأحرف السبعة ليس فيه خروج على قواعد اللغة فقد كان من المعروف لدى العرب جواز استعمال اللفظ في ما وضع اللفظ له وكذلك في الدلالة على مقدماته وأسبابه وفي الدلالة على نتائجه وعواقبه وان المعاني السبعة لا تخرج عن ذلك . قال الراغب الاصفهاني في كتابه (المفردات في غريب القرآن) . مادة (وقى) . (والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف ، هذا تحقيقه ، ثم يسمى الخوف تارةً تقوى ، والتقوى خوفًا حسب تسمية مقتضى الشئ بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه ) . أقول إن هذا التوسع في استعمال اللفظ كان معروفًا لدى العرب في بعض الألفاظ وبشكل جزئي إلا انه اخذ مداه الواسع في لغة القرآن لذلك لم يستطع العرب أن ينكروا ذلك لأنه كان وفق قانون التعبير لديهم وهم بنفس الوقت لم يستطيعوا مجاراته ومعارضته لأنهم لم يمارسوا هذا التوسع في الاستعمال فهذا النظام في التعبير القرآني من أهم مظاهر الإعجاز البلاغي والبياني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت