فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 131

والعجيب حقأ أن هؤلاء العبيد والفقراء والضعفاء، كانوا يُعذبون بسبب إيمانهم بمحمد، فيزداد تمسكهم بهذا الدين ويصبحون أشد التصاقا به، ولا يرضون بغيره بديلا.

فهاهو بلال رضي الله عنه، حين يسلم، يعذبه مولاه عذابا لا طاقة له به، فيربطه في قيظ الصحراء الملتهب، ويضع فوق بطنه صخرة عظيمة، ويطلب منه أن يكفر بمحمد وبدين محمد، بينما هو يردد في قوة عجيبة: أحد، أحد.

ما الذي دفع بلالا لتحمل مثل هذه المشاق؟!

ألم يكن بلال قادرا على أن يكفر بمحمد ويتجنب عذاب سيده له، وهو الذي تعذب عذابا شديدا منذ أسلم على يد أعداء الإسلام؟!

وما الذي يدفع برجل مثل ياسر وزوجته أن يتحملا عذاب قريش لهما، فيقتلان بعد عذاب مرير، وتعذب زوجة ياسر بإدخال الحربة في مكان عفتها، فتصر على البقاء على الإسلام، وتفيض روحها دون حزن على عمرها الذي انفلت من بين يديها بسبب إسلامها.

ألم تكن قادرة هي وزوجها على الكفر بمحمد ودينه والعيش بسلام، كما كانت تحيا من قبل إيمانها بمحمد؟!

ورجل مثل مصعب بن عمير، كان من خيرة أهل مكة، ومن أفضل شبابها، لم يُر مثله في قومه من الشباب، أسلم مع محمد، فعلمت أمه بنبأ إسلامه، فمنعت عنه الطعام والشراب والملبس الحسن، وقيدته مرارا واستخدمت معه كل الأساليب التي تستطيعها لتثنيه عما عزم عليه وعن دينه الجديد، فأبى إلا أن يصاحب محمدا ويعتنق دينه، فأصبح يمشي وعلامات الفقر الشديد تظهر عليه، حتى إن الصحابة كانوا يتأثرون من منظره حين يرونه وتذرف عيونهم بالدموع. بل عند وفاته، لم يجد المسلمون كفنا مناسبا له يغطي جسده بأكمله.

تُرى ما الذي يدفع بمثل هذا الرجل الوسيم الثري ذي المكانة، لترك المال والجاه والعيش فقيرا في كنف دعوة محمد؟ هل كان هناك سيف يسلطه محمد على رقبته؟!

هل قيده محمد بالسلاسل (كما فعلت أمه) وأجبره على الدخول في دينه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت