فهرس الكتاب
وهاهو خباب بن الأرت تعذبه مالكته بصب الحديد المصهر فوق رأسه، فيزداد رأسه تحملا، واعتناقا للإسلام، وإيمانا بمحمد.
لماذا لم يحم خباب نفسه من هذا الألم وهذا العذاب، وما الذي يدفعه للإيمان بمحمد؟!
ورجل مثل صهيب الرومي، حين يخرج مهاجرا إلى المدينة، فيتبعه بعض من أهل مكة، فيترك لهم كل ماله من أجل اللحاق بمحمد وركبه؟
ترى ما الذي يدفعه لبذل ماله كله، والعيش فقيرا للحاق بمحمد، وقد غاب عن مكة وهاجر إلى المدينة؟
هل هو سيف مسلط على عنقه؟!
هل كان هناك إكراه له من محمد على ذلك؟!
إنها نبذة عن بعض من آمن بمحمد، وهو فرد لا يملك سلاحا، ولا يملك سوى إيمانه بفكرته. وحين يتسع الأمر قليلا، نجده يقابل الحجيج القادمين من القبائل المحيطة يدعوهم إلى الله ويحاورهم بالكلمة والموعظة الحسنة، فيدخل في دينه من شاء ويبعد عنه من أبى، والرسول سائر في طريقه، يدعو إلى سبيل ربه برفق ورحمة.
ولقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة، ومع ذلك لم يجبر أحدا عل الدخول في الإسلام، ولم يمسك سيفا، ولم يروع إنسانا.
وهاهو النبي يخرج مكرها من بلده مهاجرا إلى المدينة، وهاهم المسلمون يخرجون متخفين تاركين كل ما يملكون لقريش التي استولت على أموالهم وبيوتهم، ورفضت أن تمنحهم شيئا مما يملكون.
وهاهي المدينة المنورة تزداد نورا وإشراقا حين تستقبل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي عانت لسنوات من ويلات الحروب الداخلية بين الأوس والخزرج.
ما الذي يدفع بهذا المجتمع لاستقبال دعوة محمد واحتضانها؟ ما الذي يدفع بأهل هذه المدينة لتقسيم أموالهم وما يملكون مع القادمين الوافدين إليهم بكل حب ورضا وسماحة نفس؟
بل ما الذي يدفع بمحمد إذا كان ينشر دينه بحد السيف أن يوحد بين القبيلتين ويحل ما بينهما من نزاع وحرب، ويدعوهم إلى السلام والعيش في كنف الأمن والأمان؟
ألم يكن محمد قادرا على أن يزيد هذا الخلاف بينهم عملا بمبدأ: فرّق تسد؟