فهرس الكتاب
ألم يكن محمد قادرا على إشعال نار هذه الحروب حتى يتمكن من السيطرة عليهم؟!
لماذا دخل أهل هذه البلدة في دين محمد أفواجا، وهو الذي هاجر إليهم على دابة، بلا جيش يحارب به، أو عدة، أو عتاد؟!
لقد كان الرسول حريصا منذ بداية دعوته على هداية الناس وجذبهم إلى الإسلام، وكان يحزن حزنا شديدا حين يجد الضلال متحكما فيهم. حتى إن الله عز وجل خاطبه بقوله:"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا." (سورة الكهف 6) .
وباخع نفسك: أي مهلكها.
وتخبرنا السيدة عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم بحديث يعرفنا بهذا الجانب الدعوي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فتقول إنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:"هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا." (متفق عليه) .
يالها من عظمة وإنسانية أن يرفض النبي أن يدعوا على من أهانوه وعذبوه، عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يؤمن به، وعسى أن يردهم الله إلى فطرتهم ذات يوم.
لو قال الذين يتهمون محمدا أنه نشر الإسلام بحد السيف، نقول لهم: هل من يرفض الدعاء على من حوله، يمكنه أن يقسو عليهم ويعذبهم بسيفه؟! يا له من تناقض عجيب بين ما تقولونه وبين ما تنقله لنا أحداث التاريخ!