فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 131

كلا، فهو يغضب كما يغضب الناس، ولكن شتان بين غضب النبي وغضب الناس. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب فقط، حين تنتهك حرمات الله؛ أي غضبا بعيدا عن الحمية وبعيدا عن الذاتية والأنانية النفسية والخضوع لحديث النفس الغاضبة.

وفي الحديث الذي رواه مسلم - أنه صلى الله عليه وسلم كان يغضب حتى تحمر وجنتاه، فيقول:"اللهم أنا بشر."

والنبي كان يمثل أفضل سلوك للتعامل الحكيم مع الغضب والثبات أمام المثيرات، فقد كان يمتص غضب من أمامه بحكمة بالغة ورؤية عاقلة.

جاء أعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد بين أصحابه، فقال: أعطني من هذا المال، فليس المال مالك، ولا مال أبيك. فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كفوا.

ثم قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئًا، ثم قال له:"أحسنت إليك؟"فقال الأعرابي: لا، ولا أجملت. فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا. ثم قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئًا، ثم قال له:"أحسنت إليك؟"قال: نعم، وجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك."قال الأعرابي: نعم.

فلما كان الغداة أو العشي، جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن هذا الأعرابي قال ماقال، فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك؟"قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فاتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورًا، فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها هونًا هونًا حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت