فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 131

ولكننا لا نندهش حين يأتي هذا المنطق من الرحمة المهداة للعالمين، فهاهو نبينا حين يدخل مكة فاتحا لها بعد ما ذاق من ويلات إهانات وتعذيب أهلها له ولمن معه وإخراجهم إياه وصحبه من بلده، هاهو يربت على قلوبهم حين تسرع دقاتها، وحين تحملق عيونهم خوفا، بعدما دخلها فاتحا.

وكأنك تسمع خواطر هؤلاء الرجال وهي تتساءل: تُرى ماذا سيفعل بنا؟

لابد وأنه سيقتلنا كما فعلنا بصحبه، أو ربما يكون أرحم بنا من ذلك وينفينا من أرضنا ويخرجنا منها كما فعلنا به، ويسلبنا أموالنا ويمنعنا من أولادنا.

ربما صب على رؤوسنا الحديد المصهور كما فعلنا ببعض ممن معه.

لا لا. إن محمدا أكرم من ذلك. سيخرجنا فقط!

وبينما تدور المخاوف في رؤوسهم وقلوبهم، إذا بإشراقة وجهه تمحو كل هذه المخاوف حين يسألهم برحمة وحنان:"ما ترون أني فاعل بكم؟"فأجابوه:"خيرًا.. أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم". فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: {لا تثريبَ عليكم اليوم يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} (سورة يوسف 29)

يا الله، كل هذه الرحمة!"اذهبوا فأنتم الطلقاء" (رواه البيهقى في سننه الكبرى) . قالها لهم وهم الذين حاصروه هو ومن معه ثلاث سنوات، يمنعون عنهم الطعام، وكل ما تسير به الحياة، فمات من مات معه من الصغار والكبار.

وهم الذين حرموه من ابنته حين هاجرت إلى الحبشة هربا من بطشهم.

وهم الذين قتلوا عمه حمزة ومثلوا بجثته وحاولوا أكل كبده.

وهم الذين باتوا يكيدون له ويدبرون له المكائد.

بل هو يعلنها صراحة أثناء دخول مكة، حين يقول أحد الصحابة: اليوم يوم الملحمة، فيرد النبي مصححا:"لا بل اليوم يوم المرحمة." (رواه ابن عبد البر في الاستيعات) .

هاهو يحنو على ضعفهم. يعلم أنهم في موطن الضعف، فيرحمهم ويتعامل مع ضعفهم بإنسانية سامية وبرحمة فريدة من نوعها.

مشهد آخر تتجلى فيه رحمته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت