فهرس الكتاب
حين يظفر الإنسان منا بعدوه ويتمكن منه، ويصبح هذا العدو في حالة ضعف وخوف ورهبة، ربما يصبح الخلق المسيطر هنا، فرض صورة معينة على من حولنا، تتسم بإشعارهم بالرهبة منا. ولكن هاهو نبينا حين يدخل مكة فاتحا وظافرا، يتملك الخوف والرهبة أهلها، ويرتعدون خوفا من رد فعل النبي بهم، وهو الذي باتت في يده مفاتيح القوة في هذه اللحظات، فتأتي لمحات النبي في التواضع لتقول لأحد أهل مكة:"هون عليك أخي هون عليك."
أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي مسعود: أن رجلا كلم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فأخذته الرعدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد."
لم يكتف النبي بإدخال الطمأنينة على هذا القلب الخائف المرتجف, بل تعدى ذلك وتبسط معه وأخبره أنه ابن امرأة كانت تأكل القديد، والقديد هو اللحم المجفف.
وكأني به يريد أن يقول له: أنا محمد الذي كان يعيش بين ظهرانيكم، لم أتغير ولم يحولني هذا الفتح وهذه القوة عن طبيعتي.. التواضع سمتي.. والكبر لا يعرف طريقه إلي.
والتواضع عند النبي كما نرى من هذه الصورة ليس عجزا أو ضعفا كما يكون حال البعض، ولكن عند النبي، فإن الأمر يختلف تماما. فها هو يقول لعائشة:"يا عائشة، لو شئت لسارت معي جبال الذهب. جاءني ملك، إن حجزته لتساوى الكعبة (أي موضع شد الإزار) فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا. فنظرت إلى جبريل -عليه السلام- فأشار إلى أن ضع نفسك فقلت: نبيًا عبدًا" (رواه أبو يعلى والطبراني) .
التواضع مع عامة المسلمين:
أخرج الحاكم في المستدرك فقال: عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم.""