فهرس الكتاب
كان النبي إذا جلس في مجلس، أفاض التواضع على هذا المجلس وعمه. فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حضر مجلسا، رفض أن يقوم له الصحابة ونهى عن ذلك. ورغم عظيم حب الصحابة له وفرحتهم بقدومه إليهم، إلا أنهم لم يكونوا يقومون له لما يعرفون من كراهية النبي لذلك.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون من كراهيته لذلك." (رواه أحمد والترمذي) .
ولم يكن النبي في مجلسه بين أصحابه يجلس في مكان مميز يميزه عمن حوله، بل كان الغريب إذا دخل المجلس لا يكاد يعرف النبي لأنه يجلس بين الجالسين لا يتميز عنهم في شيء.
وحين يأتي وقت العمل الجماعي، يمكنك أن تلمح بريق هذا التواضع بكل يسر وسهولة. ورد في مختصر السيرة للطبراني::أن النبي كان في سفر هو وبعض الصحابة، حيث أمر أصحابه بإصلاح شاة ذُبحت. فقال رجل: عليَّ سلخها، وقال آخر: عليَّ ذبحها، وقال صلى الله عليه وسلم:"وعليَّ جمع الحطب."فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك العمل، قال:"قد علمت ذلك ولكنني أكره أن أتميز عليكم، وإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا على أصحابه."
وحين جاءه عدي بن حاتم، لم يكن قد أسلم بعد، فعامله النبي بكل تواضع ولطف. لم يعامله على أنه ذو ملك وجاه، وسطَ من حوله، بل ألقى إليه وسادة ليجلس عليها وخصه بها وجلس هو أرضا.
عن عدي بن حاتم أنه قال: لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، ألقى إلي وسادة من أدم محشوّةٍ ليفًا، وقال: اجلس عليها، فقلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: بل أنت. فقال عدي: فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض، فقلت: أشهد أنك لا تبغي علوًا في الأرض ولا فسادًا. وأسلم عدي بن حاتم. (أخرجه ابن مردوية) .
صورة للتواضع يكاد ينطق الصمت من عظمتها: