فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 131

حين تظفر بعدوك ويكون النصر حليفك، فإنك حتما ترفع رأسك مزهوا بلذة انتصارك. وحين يكون هذا النصر حلما طال تمنيه وطال انتظاره، وبعد في أعين عدوك، فإنك حتما تأخذك لذة الانتصار والشعور بالفخر والزهو.

ولكن حين نرى النبي يدخل مكة فاتحا منتصرا، نراه متواضعا، حاله ليس حال المنتصر، بل في حال العبد الفقير المتواضع إلى أقصى الدرجات.

لقد دخل صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا متواضعًا لله، ذاكرًا لفضله، حتى إن ذؤابة عمامته كادت تلامس عنق بعيره من شدة تواضعه وشكره.

وفي صورة أخرى لا تقل روعة عن هذه الصورة، حين عاد المسلمون من غزوة حنين منتصرين ووزع النبي الغنائم على من حوله فاهتم بالمؤلفة قلوبهم، فأحزن ذلك الأنصار واعتبروا ذلك نسيانا من النبي لهم. وعلم النبي ذلك، فحدثهم حديثا أبكاهم من عظم ما فيه من تواضع لنبي عظيم في حال انتصاره ولعظم ما فيه من وفاء لأناس نصروه وأطاعوه. وهذا الحديث يبين لنا هذا المشهد بكل تفاصيله ليضع أيدينا على حقيقة رائعة؛ ألا وهي عظم خلق هذا النبي الخاتم.

عن عبدالله بن زيد -رضي الله عنه-: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال:"يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار والناس دثار. إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض." (متفق عليه) .

النبي يحث أصحابه وأتباعه على التواضع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت