فهرس الكتاب
"أتضحكون من دقة ساقيه؟ و الذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد." (غاية المرام 416) .
هكذا تبدو قيمة الإنسان وتتضح معالم هذه الصورة لدى الصحابة، فيسيرون على نهج نبيهم ويرفضون أي انتهاك لآدمية البشر.
وكان النبي حريصا أشد الحرص على تأصيل قيمة المساواة في نفوس أصحابه، فكان يساوي بين الناس بعضهم بعضا. وفي الوقت ذاته، لا يضع نفسه في مرتبة أعلى منهم، بل يساوي نفسه بهم دوما.
روى ابن هشام في سيرته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف يساوي بين الصفوف في إحدى الغزوات، فوجد أحد الصحابة وهو سواد بن غزية متقدما على الصف، وكلما نبهه النبي لذلك، عاد خارجا عن الصف فوكزه النبي وكزة خفيفة، فقال لرسول الله: لقد أوجعتني فأنصفني. فقال له عليه الصلاة والسلام: دونك بطني فاقتص مني. فأقبل سواد على الرسول وقبّل بطنه، ثم أخذ يكرّر هذا القول: هذا اليوم الذي أفدى فيه المصطفى بحياتي.
نعم إنها أسمى معاني المساواة بين البشر، تظهر معالمها في هذه الصورة العجيبة. حين يدعو الرسول هذا الصحابي للاقتصاص منه، وهو نبي هذه الأمة، وهو الذي وكزه حرصا على نظام الصف في أمر له شأنه في تاريخ الأمة. ولم يكن النبي ليوكز أحدا وكزة تؤلمه، ومع ذلك، فقد ظهر التطبيق الفعلي لقيمتي العدل والمساواة في هذه القصة.
ومن معالم هذه الصورة أيضا في حياة النبي، أنه لم يكن يميز نفسه عن من حوله، إذ كان يقول لأصحابه:
"لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضًا." (رواه أبو داود) .
هذا هو النبي لا يريد لصحابته أن يعظموه أو ينزلوه فوق قدره.