فهرس الكتاب
ومنها بيت الحكمة في بغداد, أنشأها هارون الرشيد, وبلغت ذروة مجدها في عصر المأمون. كان ت أشبه بجامعة فيها رجال يتفاوضون, ويطالعون, وينسخون, وكان فيها نساخ ومترجمون يترجمون ما كان يحصل عليه الرشيد والمأمون في فتوحاتهم بأنقرة وعمورية وقبرص وكما يقول ول ديورانت عن بيت هو مجمع علمي, ومرصد فلكي, ومكتبة عامة وقد أنفق, في إنشائه مائتي ألف دينار ويقول ابن خلدون: إن الإسلام مدين لهذا المعهد العلمي باليقظة الإسلامية الكبرى التي اهتزت بها أرجاؤه ويحدثنا ابن النديم أن المأمون كانت بينه وبين ملك الروم مراسلات, وقد انتصر عليه المأمون في بعض المعارك, فجعل من شروط الصلح أن يسمح ملك الروم بترجمة ما في خزائنه من كتب بواسطة العلماء الذين يرسلهم المأمون, ففعل, وهذا أعظم ما يروى في التاريخ عن حاكم منتصر لا يرى ثمنا للنصر أغلى من كتب العلم ينقلها إلى أبناء أمته وبلاده.
ومنها مكتبة الحكم بالأندلس. كانت غاية في العظمة والاتساع, حتى قيل إنها بلغت أربعمائة ألف مجلد, وكانت لها فهارس غاية في الدقة والنظام, حتى إن الفهرست الخاص بدواوين الشعر الموجودة في تلك المكتبة بلغت أربعة وأربعين جزءا, وكان فيها الحذاق في صناعة النسخ, والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد, واجتمعت بالأندلس في عهده خزائن من الكتب لم تكن لأحد فيه ولا بعده.
ومنها مكتبة بني عمار في طرابلس. كانت آية من الآيات في العظمة والضخامة. كان فيها مائة وثمانون ناسخا ينسخون فيها الكتب, ويتبادلون العمل ليلا ونهارا بحيث لا ينقطع النسخ. وكان بنو عمار يحرصون على أن يزودوها بكل نادر, وكل جديد من الكتب, ووظفوا أخصائيين وتجارا ليجوبوا البلاد ويحرزوا لهم الكتب المفيدة من البلدان النائية, والأقطار الأجنبية. استفاد منها المعرى وذكرها في بعض كتبه, واختلف في مقدار ما كان فيها, وأعدل الأقوال أنها كانت تحوي مليون كتاب.