فهرس الكتاب
كما أن هذه الآية تنهي عن اللمز والتنابز بالألقاب, وتعتبر من يلمز أخاه لامزا لنفسه, وهذا معنى يجب أن نتنبه إلى ما يوحي به, فإن المسلمين حين لمزت كل طائفة منهم أختها أصبحوا كلهم جرحى أمام خصومهم, وأعداء ملتهم, فهم يحكمون على طوائفهم بما يحكم به بعضهم على بعض, فيحتقرونهم جميعا, وبهذا كان الذي يلمز أخاه إنما يلمز نفسه.
ثم هي تجعل ذلك كله خروجا على الإيمان, وتسميه فسوقا, وتطلب التوبة منه والإقلاع عنه, وتحصر الظلم الكامل فيمن لم يتب منه بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون .
وإذا كان شأن هؤلاء العلماء والمنتسبين للعلم, وطلبة العلوم الشرعية هو التنابز والغيبة والبغضاء يزرعونها في نفوسهم, ويفيضون بها على من حولهم, فكيف تقوم لهم قائمة الدعوة إلى دين الله القويم, وكيف يكون لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة, وأنا لهم سبيل السلف الصالح رضوان الله عليهم الذين سمعوا وطبقوا قول رسولهم الكريم صلوات الله وسلامه عليه:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم, كل المسلم على المسلم حرام دمه, وماله وعرضه"وقوله صلوات الله وسلامه عليه:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
التعاون في ظل كل خلاف حاشا الخلاف في أصول الدين:
إن القول بأن نعمل فيما نتفق عليه, ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه, قول سديد, يصلح أن يكون قاعدة يجتمع عليها المختلفون من المسلمين حكاما, وعلماء, وطلبة علم, فإن الخلاف في أغلبه خلاف في اجتهادات, وإداريات, وأساليب, ومصالح, وقلما يكون الخلاف, بل لا يكون في أصول الدين, أو ما علم منه بالضرورة, وإذا كان ذلك كذلك فيسعنا ما وسع الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين.