فهرس الكتاب
هؤلاء وأضرابهم جميعًا، وقع خطأ منهجي كبير في قراءتهم. لقد كان الفكر السلفي المعاصر ـ في بعض تجلياته ـ إذ يقرأ تراثهم إنما يقرؤه ـ في كثير من الأحيان ـ بمنهج تجزيئي إسقاطي.
فأما كونه تجزيئيًا؛ فلأنه كان يقرؤه بعين واحدة، فلا يرى من حقيقته إلا ما تتيحه له تلك الرؤية الجزئية المحدودة؛ فلا يتصور حقيقته في شموليته الكلية.
فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية مثلًا، لا تصوره كثير من المصنفات المعاصرة إلا شخصًا مقاتلا محاربًا متخصصًا في تفصيل في مذاهب أهل النار؛ دون مذاهب أهل الجنة؛ فكل من أراد أن يَصِمَ شخصًا بصك الجحيم، فما عليه إلا أن يُخرج عليه سيف المقولة المشهورة. (قال شيخ الإسلام ابن تيمية) وكأن ابن تيمية ' ما خلقه الله إلا للاستشهاد به على أهل الضلال وحسب؛ وكأنما تحولت نصوصه وفتاواه إلى مجرد صكوك اتهام، تقرأ على الضحية عند تنفيذ حكم الإعدام.
أين ابن تيمية الداعية إلى الله؟ أين ابن تيمية المربي؟ وأين ابن تيمية السالك إلى مولاه عبر منازل الخوف والرجاء؟ والشوق والمحبة؟ وأين ابن تيمية صاحب الأذواق الإيمانية والأحوال السنية؟.. ولقد حفلت كتبه وفتاواه بمعاني (الجمالية) ، ومقاصد (الربانية) في الدعوة والتربية والتعليم؛ مما يصعب ـ لغزارته ـ حصره واستقصاؤه! كما أن تلميذه الإمام الرباني ابن القيم ـ رحمه الله ـ قد حكى عنه من ذلك الشيء الكثير! فأين ضاع ذلك كله؟