ولكن هذا التقسيم تسرب إلى نفسية كثير من الدارسين وكأنه مُسَلَّمة التفرق والتنافر، حتى صار التعلم بخلاف التزكية ، والتزكية ليست توحيدًا ولا فقهً ،ويطلب الدارس رقة قلبه في رقائق و زهديات، و ربما زهد في العلوم التي تقسي قلبه...زعموا ، أو ينجرف محافظًا على مكانته بين أقرانه فيندفع إلى التفوق في حفظ الأدلة دون تعظيمها ، و إلى سردها دون معايشتها ، وهكذا حدث الانفصال في اللاشعور محركًا إيانا في دوائر الفراغ فحدثت تلكم الهوة السحيقة بين ما نعتقد (أو بين ما ينبغي أن نعتقد) وما نعمل ، بين معاملة الحق ومعاملة الخلق ، بين عبودية القلب وعبودية الجوارح ، بل صارت قلوبنا تشتكى باكية من خواء وتعطيل (1)
(1) وقد لاحظ أثر هذا التقسيم جمع من العلماء في زمانه كابن الجوزي والغزالي فقال ' (ولو سُئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلًا أو عن التوكل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلالكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم تخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها، فلا يزال يتعب فيها ليلًا ونهارًا وفي حفظه ودرسه يغفل عما هو مهم في نفسه في الدين، وإذا روجع فيه قال: اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض الكفاية ويلبس على نفسه وعلى غيره في تعلمه، والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء حق الأمر في فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين، بل قدم عليه كثيرًا من فروض الكفايات؛ فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحدًا يشتغل به، ويتهاترون على علم الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع؛ فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به ؟ هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء؟ هيهات هيهات، قد اندرس علم الدين بتلبيس العلماء السوء؛ فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان- على أنا سننقل من سيرة فقهاء السلف ما تعلم به أن الذين انتحلوا مذاهبهم ظلموهم وأنهم من أشد خصمائهم يوم القيامة فإنهم ما قصدوا بالعلم إلا وجه الله تعالى، وقد شوهد من أحوالهم ما هو من علامات علماء الآخرة كما سيأتي بيانه في باب علامات علماء الآخرة، فإنهم ما كانوا متجردين لعلم الفقه، بل كانوا مشتغلين بعلم القلوب ومراقبين لها، ولكن صرفهم عن التدريس والتصنيف فيه ما صرف الصحابة عن التصنيف والتدريس في الفقه، مع أنهم كانوا فقهاء مستقلين بعلم الفتوى والصوارف والدواعي متيقنة، ولا حاجة إلى ذكرها- ونحن الآن نذكر من أحوال فقهاء الإسلام ما تعلم به أن ما ذكرناه ليس طعنًا فيهم بل هو طعن فيمن أظهر الإقتداء بهم منتحلًا مذاهبهم وهو مخالف لهم في أعمالهم وسيرهم، فالفقهاء الذين هم زعماء الفقه وقادة الخلق - أعني الذين كثر أتباعهم في المذاهب خمسة: الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري رحمهم الله تعالى. وكل واحد منهم كان عابدًا وزاهدًا وعالمًا بعلوم الآخرة وفقيهًا في مصالح الخلق في الدنيا ومربدًا بفقهه وجه الله تعالى، فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء العصر من جملتها على خصلة واحدة وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه، لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة، وهذه الخصلة الواحدة تصلح الدنيا والآخرة، إن أريد بها الآخرة قل صلاحها للدنيا شمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة، وهيهات أن تقاس الملائكة بالحدادين، فلنورد الآن من أحوالهم ما يدل على هذه الخصال الأربع، فإن معرفتهم بالفقه ظاهرة.) ( إحياء علوم الدين(جـ1) .