فهرس الكتاب
(5) دوافع المضاربة: مقارنة بين الأسواق الرأسمالية والإسلامية
أولًا: في السوق الرأسمالية
كما هي الحال الغالبة في النظم الرأسمالية نجد أن أكثر حاملي الأسهم يتداولونها بيعًا وشراءً بعد فترات قصيرة جدًا من تسجيلها لدى الجهات المصدرة لها. بل إن نسبة كبيرة من حاملي الأسهم يتخطون مرحلة التسجيل هذه حتى لا تطيل من فترة حيازتهم للأسهم، فيقومون بتسجيلها لدى بعض مكاتب السمسرة التي تستغل فرصة ارتفاع مؤقت في أسعار الأسهم فتقوم ببيعها ثم إعادة شرائها بعد فترة وجيزة بسعر منخفض (17) . هذه صورة من الصور المتعددة لما يسمى بالبيع القصير (18) ( Short-selling) . وهي مبيعات مضاربية بحتة، أي مدفوعة بالمضاربة على الأسعار، كما هو واضح.
وهذه إحدى الصور التي تتأسس من أجلها العديد من الشركات الاستثمارية، التي تصرف مرتبات مغرية للمدراء المحترفين لفنون المضاربة المالية والمستشارين الاستثماريين لكي ينجزوا أكبر مكاسب ممكنة باختيار التوازن الأمثل بين المواقف الطويلة والمواضع القصيرة، ( Long and short positions) ، كالتي تسمى ( Hedge funds) .
إذن فإن دافع المضاربة أو البيع القصير عامل مساعد على رفع معدلات سرعة دوران الأسهم وتنشيط حركة التداول في سوق الأوراق المالية. إن النظام النقدي المعاصر الذي يسيطر عليه رأس المال الغربي جعل من العسير جدًا الفصل بين الاستثمار بالمعنى الإنتاجي التقليدي والاستثمار بالمعنى المضاربي الحديث، وذلك بسبب ارتفاع معدلات التضخم ومعدلات سعر الفائدة. فالمعنى الأخير يشير إلى ما يسمى بممارسة الاكتساب من فروق الأسعار ( Price-gaining) . أما الاستثمار بالمعنى الإنتاجي فينصرف إلى عائد معتدل ومستقر من خلال الاستغلال الأمثل لبعض الأصول العينية أو المالية الثابتة. فواقع الحال يدل على أن هذا الفهم الإنتاجي للاستثمار لم يعد ملائمًا في وسط مالي من أخص سماته ارتفاع معدلات التضخم وانعدام الحد الأدنى من اليقين والاستقرار الاقتصادي الذي يمكن المستثمر من درء المخاطر ضمانًا لكفاية العائد واعتداله.
وبالطبع ليست هذه الصورة عرضًا طارئًا على النظام الرأسمالي بسبب ارتفاع معدلات