الصفحة 17 من 33

المضاربي في هذه الأسواق لا يعدو كونه وسيلة تحويلية للمكاسب الرأسمالية المرتقبة، أي تحويل تلك المكاسب المتوقع تحقيقها لفائدة حاملي الأسهم، إلى آخرين يتحينون ارتفاعًا مؤقتًا في أسعار هذه الأسهم بما لديهم من معرفة وحصافة، فيشترونها من حامليها ليعيدوا بيعها بعد فترة قصيرة بثمن مرتفع. ويؤكد العالم الاقتصادي الانجليزي المعروف كينز ( Keynes) هذه الحقيقة بقوله:"إنه لا يوجد من بين المبادئ الأساسية للتمويل التقليدي ( Orthdox finance) مبدءًا أكثر تجافيًا للمجتمع من ذلك الصنم المعبود ( Fetich) الذي يسمى السيولة. إذ يغيب عن هذه النظرية استحالة وجود استثمار سائل للمجتمع كله" (21) . ذلك لأن عملية بيع وشراء الأصول الموجودة فعلًا -سواء كانت أصولًا مالية أو عينية- لا تعني أكثر من تبادل مواضع السيولة والالتزام المالي بين البائعين والمشترين.

ولكن ربما كانت"حجة السيولة"أكثر ملاءمة في الدفاع عن مجرد الحاجة لوجود سوق منظم للأوراق المالية. ذلك لأن وجود مثل هذا السوق سيحث أرباب الأسر من غير المتمرسين في دنيا الأعمال ليوجهوا جزءًا هامًا من مدخراتهم الخاصة نحو شراء الأسهم والسندات التي تمتاز بالسيولة (أي بسهولة بيعها للحصول على نقود) عن طريق تلك المحافل المنظمة، متى ما دعت الضرورة إلى ذلك. وفي هذا تحفيز واضح لأصحاب المدخرات ليشاركوا بها في تكوين رأس المال الاجتماعي بأقل مخاطر ممكنة. وذلك لا يعني بالطبع قدرة هذه المحافل على توليد السيولة، وإنما يدل فقط على الوظيفة الاقتصادية التي يمكن أن تقدمها هذه المحافل في حثها للإنفاق الاستثماري وتوسيعها لقاعدة المشاركة فيه (22) . ولقد رأينا في الجزء السابق من الدراسة أن التنظيم الرأسمالي الحديث لهذه المحافل المالية قد جعل منها مرتعًا خصبًا للنشاط المضاربي، وسنعود في الجزء التالي من الدراسة لتوضيح مشكلة الاضطراب المخل الذي يسببه النشاط المضاربي لمحاولة القياس الموضوعي لكفاءة سوق المال.

ثانيًا: في السوق الإسلامية

إن الشرع الإسلامي يحث على تنشيط ذلك الصنف من التداول الذي يؤدي إلى خلق منافع حقيقية سواءً كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة كالوساطة المنتجة، أو الخدمات الإنتاجية المساعدة في المدى القريب أو البعيد. والفهم الإسلامي للاستثمار ينبغي أن يحقق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت