الصفحة 18 من 33

ذلك الدور التداولي المرتبط بعملية خلق المنافع بطريقة من الطرق المشروعة، وأن يبتعد عن ذلك التداول الذي يهدف فقط إلى توليد الأرباح لأحد الأطراف دون إضافة أية قيمة حقيقية للمجتمع، كالوساطات الطفيلية، وأكثر المضاربات المالية والعقارية التي تسود في النظم الرأسمالية الحديثة.

ويمكن أن نتبين مدى حرص الشرع الإسلامي على ربط التداول بالإنتاج من خلال قاعدة فقهية مهمة وهي قاعدة قبض السلعة المشتراة قبل بيعها. إن وسائل التداول الحديثة جعلت من تداول مستندات التمليك القانونية خير وسيلة لتداول السلع بين أكبر عدد ممكن من الوسطاء حتى ينال كل طرف نصيبه من الربح دون إحداث أي تطوير مادي في السلع المتداولة. ونعني بالتطوير المادي هنا ليس فقط تحويل صورة السلعة المادية، فالتاجر له دور مثل الصانع في"تطوير"الهيئة المادية للسلعة عن طريق نقلها وحفظها وتهيئتها لتكون في متناول يد المستهلك مباشرة، أو عن طريق وسيطة الآخر ليكمل هذه الدورة بكفاءة أكثر (مثل العلاقة بين تاجر الجملة وتاجر التجزئة) . فهذه هي القاعدة النظرية التي يسمح على أساسها بإضافة قطاع التجارة أو التوزيع إلى القطاعات الإنتاجية عند حساب الناتج القومي حسب توصيات خبراء إحصاءات الدخل القومي في منظمة الأمم المتحدة (23) . وهو المبدأ الذي جعل الأستاذ الصدر (24) يميز بين تداول"الملكيات المادية"الذي يشجعه الإسلام لما فيه من خلق منافع حقيقية، وتداول"الملكيات القانونية"الذي تتميز به النظم الرأسمالية. وعندما سئل عبدالله بن عباس رضي الله عنه عن الحكمة في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل استيفائه قال:"ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ"- رواه البخاري. فانظر البعد الاقتصادي التحليلي الذي يحمله هذا التعبير الموجز.

وقد عمم الإمام الشافعي في كتابه"الأم"قاعدة القبض على كل المنقولات وليس الطعام فقط كما فعل المالكية. وذلك بسبب أخذه لحديث عتاب بن أسيد عندما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة المكرمة قائلًا:"انههم عن ربح ما لم يضمنوه وبيع ما لم يقبضوه". وذلك هو رأي الإمام أبي حنيفة والإمام أحمد، بأن مفهوم القبض الشرعي يكون في كل شيء بحسب طبيعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت