فهرس الكتاب
هؤلاء المحترفين هم الذين يتحكمون في"الحالة النفسية العامة"للسوق حتى لا تشرد بعيدًا عن التقويم الموضوعي لظروف السوق الحقيقية.
ولكن الواقع يدل على أن الحالة النفسية العامة هي التي تتحكم في تقديرات المحترفين وليس العكس، مما يعني انتفاء ذلك الدور التصحيحي الإيجابي الذي يعزى لمجتمع المستثمرين المحترفين، وبالتالي انتفاء نظرية"التقلب الكفؤ"تمامًا! ولقد أصاب كينز حين وصف المستثمرين المحترفين في الأسواق المالية بأنهم".. لا يهتمون بمعرفة القيمة الحقيقية للاستثمار .. ولكن بمعرفة التقويم السوقي للاستثمار تحت تأثير الحالة النفسية العامة ..." (26) . وذلك يدل على أنّ مهارة المستثمر المحترف تتمثل في قدراته على استقراء توجهات الحالة النفسية العامة -أي التنبؤ بما سيفعله الجمهور قبل معرفة الجمهور بفترة قصيرة- وليست هي محاولة التصحيح والتوجيه كما كنا نفترض سابقًا. وليس هذا الأمر مستغربًا إذا تفهمنا سيطرة دافع المضاربة المالية على سلوك المستثمر المحترف وحساباته، فهو يسعى إلى إتباع أنجع الطرق لاغتنام المكاسب الرأسمالية الناتجة عن تحركات أسعار الأسهم بصرف النظر عن طبيعة العوامل التي تحكم هذه التحركات. فهو ليس مسؤولًا عن مدى انضباط هذه التحركات مع التغيرات الاقتصادية الموضوعية، وإذا كان لابد من وجود قوة موجهة لهذه التحركات فتلك هي مسؤولية الجهات الاقتصادية المصدرة للأسهم لتغري الجمهور بسلامة أوضاعها الاقتصادية. وتكون المحصلة النهائية لهذا التصور أن الجمهور هو الحكم الأخير في عملية تقويم أثر التغيرات الاقتصادية والإدارية المستمرة وغيرها على القيم التبادلية للأسهم والسندات، وأن الجمهور هو في الواقع الذي يوجه قرارات المحترفين وتوقعاتهم وليس العكس.
إذن فإن التسليم بأن السواد الأعظم من المتعاملين في البورصات الحديثة يقعون فرائس سهلة للإرهاصات غير المقومة والدعايات الكاذبة -ذلك التسليم المبدئي الذي نجده في نظرية كوتنر وسواها من نظريات الاستثمار المالي الحديثة- سيؤدي بطريقة مباشرة إلى القول بعدم كفاءة هذه الأسواق. بل إن القياس العلمي للكفاءة، حسب معيار التقارب بين القيم الاقتصادية الحقيقية وأسعار السوق سيفتقر إلى الأساس الموضوعي اللازم بسبب عدم وجود قوة داخلية (أو منظم داخلي) بين التيارات المضاربية المتصاعدة، تعمل على تصحيح المسار العشوائي لأسعار السوق وتوجيهها نحو القيم الاقتصادية. ولقد كان كينز ( Keynes) يشير