فهرس الكتاب
إلى هذه القضية وهو ينبه إلى خطورة التقلص التدريجي لدور المعرفة الاقتصادية الحقيقية في عملية تقويم الاستثمارات، وهي المعرفة التي يكتسبها أصحاب الأعمال لارتباطهم المباشر بمجال الإنتاج، وتصاعد الدور التقويمي لمجتمع المساهمين الذين لا مشاركة لهم في إدارة الأعمال ولا يمتازون بمعرفة خاصة (27) . ورغم أنه أول من أدخل"دافع المضاربة"في تحليل الطلب على النقود، نجده يقول في بعض تأملاته حول الممارسات المضاربية السائدة داخل أروقة البورصات المالية:
"إن المشهد الطريف لأسواق الاستثمار الحديثة جعلني أميل أحيانًا للاستنتاج بأن شرورنا المعاصرة قد تجد علاجًا مفيدًا لو أننا جعلنا عملية شراء الاستثمار شيئًا ملزمًا على الدوام وغير قابل للتصفية (لا فكاك منه) مثل الزواج، إلا بسبب الموت أو أي عامل خطير آخر" (28) .
أهمية الأخذ بالضوابط الشرعية
وقبل أن نختم هذا الجزء من الدراسة نحب أن نشير إشارة عابرة إلى بعض المضامين المترتبة على ظروف الدول النامية نتيجة لتبني النظام المفتوح لسوق الأوراق المالية والسماح بالمضاربات المالية فيه. إن انخفاض مستوى الدخل الفردي في الدول النامية، مقارنة بالدول المتقدمة، وصغر حجم المدخرات الخاصة كفيل بأن يجعل الحجم الكلي للتداول ليس صغيرًا فقط وإنما محصورًا داخل مجتمع محدود من المهتمين بشراء الأسهم في القطاعات النقدية الحديثة النامية. ولكن لا ينبغي التوصل من ذلك إلى أن الممارسات المضاربية المحدودة داخل الأسواق المالية النامية لا تشكل خطرًا بسبب صغر حجم السوق وإمكاناته الفقيرة التي لا تشجع التداول بالسرعة التي نجدها في الدول الصناعية المتطورة. إن الأمر نسبي إلى حد كبير، ذلك لأن اقتصاديات الدول الصناعية قد بلغت درجة من التطور جعلتها تتمتع بالقدرة على النمو التلقائي، ومهما اتسعت قاعدة النشاط المالي المضاربي فيها فإن البنيات الأساسية للنشاط الإنتاجي الحقيقي -مادية كانت أو بشرية- قادرة على مقاومة ما يأتيها من صدمات. أما بالنسبة للدول النامية فإن صغر حجم السوق المالي ومحدودية التداول المضاربي