فهرس الكتاب
لقد لعب المسرح في مصر دورًا بارزًا في التقدم والنهضة مما جعله يجذب إليه كبار المسرحيين في بلاد الشام، وقد لقي تشجيعًا من إسماعيل نفسه، فقد بنى دار الأوبرا وأنشئت فرق للتمثيل، وكان مارون النقاش من أوائل الذين تناولوا هذا الفن وأدركوا دوره الاجتماعي واستوعب المهام التي يستطيع فن التمثيل أن يقوم بها، كما اكتشف دوره في تنبيه العقول وتهذيب الأخلاق وقال: إن المسرح يكشف العيوب الاجتماعية ويدعو إلى التخلص منها.
كان النقّاش 1817-1855 مسرحيًّا عبقريًّا، كثير التطواف في أوربا، وقد عرف عنه أنه زار فرنسا وإيطاليا واطلع على المسرح في كل منهما، ثم التفت إلى التراث فأخذ منه وأسبغ على شخصيّاته سمات عربية.
ولكن المسرح المصري في تلك الفترة شقّ طريقه على يدي يعقوب صنوع 1839-1912 بخطوات واسعة، فقد كان صنوع على درجة من اليسار وكان كل ما حوله يفضي به إلى الثقافة وارتيادها حيث كان والده غنيًا بحكم قربه من أحد أحفاد محمد علي مما هيّأ لابنه فرصة الاطلاع على ثقافة أوربية وافرة، لذلك أتقن صنوع عددًا من اللغات تمكن من بعضها وأتقنه، وعند عودته من أوربا انضم إلى التيارات السياسية التي تتبنى الإصلاح وتدعو إليه متأثرًا بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
اقتنع صنوع بالمسرح على أنه أداة من أدوات التغيير والإصلاح والتبشير بالأفكار الجديدة وأنه فن قريب من سواد الأمة وكتلتها، لذلك عكف على كتابة المسرحيات ودرب الممثلين على أدوارهم السياسية والاجتماعية وأقنعهم بها، ثم أقنع الخديوي إسماعيل بجدوى المسرح وضرورة بناء دار الأوبرا في مصر، لقد طرح صنوع موضوعات جديدة في مصر ومجتمعها، فانتقد تعدد الزوجات وفساد الأخلاق كما هاجم سياسة إسماعيل واختلف معه ثم أخرج من البلاد.