فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 129

كان النديم من أوائل المثقفين العرب الذين أدركوا عمق المأساة التي يعيشها العقل العربي في ظل الجهل المقنع بالخرافة والشعوذة، ووراء العيوب الاجتماعية والمعتقدات الفاسدة وسوء التربية يكمن إلغاء العقل، وأثناء تطوافه بالريف المصري الموغل في التأخر سمع ورأى أصنافًا من المظاهر المتخلفة وألوانًا واستخلص أن ذلك يشكل موطئ قدم للاستعمار في بلاده ويمهد لاستنزاف خيراتها، لذلك دعا إلى احترام العقل والتفكير النيّر، واحترام الحقائق العلمية ونهى عن المساس بها لأنها جزء من إنسانية الإنسان وقال: ينبغي على المتعلمين احترام ذلك لأنهم أجدر الشرائح بصون العلم وتقدير أهله. والنديم مسكون بحب العلم، والعلم هاجسه الأول الذي لم يفارقه منذ يفاعته، وكان أكثر المثقفين تأييدًا له ومؤازرة، لذلك اشترط على الأمة التي ترغب في التقدم أن تسعى حثيثة إلى تعليم أبنائها والدخول في سباق مع الأمم الأخرى كالغرب مثلًا، وفي قصصه كان يقتنص من المجتمع المصري صورًا مغرقة في التخلف ويعرضها متفكهًا ناقدًا مما يجعلها تترك إحساسًا صارخًا بلطخة العار دونما شماتة أو ازدراء، ويجعلنا نرى ذلك العيب غريبًا عن جسم الأمة وافدًا عليها طارئًا على أبنائها لأن تاريخها يشهد لها باحترام العلم والعقل معًا.

ففي قصته: الجنون فنون وفي المقهى تلتقط عيناه قارئًا محتالًا لسيرة عنترة وقد تحلق الرعاع حوله ممن أولعوا بسماع الأكاذيب والخرافات، وكان الراوي يتعمد الوقوف كل ليلة عند نقطة يقترب الخطر فيها من بطلهم المحبوب، وكي يظل ممسكًا بزبائنه في الليلة التالية توقف الراوي عندما وقع عنترة في الأسر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت