الصفحة 106 من 112

إنَّ الدّنيا مزرعةٌ للأعْمال، ولكلّ زارع ما زرعه، والنَّاس شهداء الله في أرْضِه، فمن واجب العاقل أن يزرعَ الخير في النَّاس الذي يُذْكَر به ويشكر عليه، فقد قيل:

ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي وَحَاجَتُهُ = مَا فَاتَهُ وَفُضُولُ العَيْشِ أَشْغَالُ

أيها الأمير:

إنَّ كلَّ الناس أو أكثرهم تقع منهم الأخطاء في تصرفاتهم، فلا حليمَ إلا ذو عثرة، ولا طيب إلاَّ ذو تجربة، وكم ضارَّة نافعة، وكم نعمة لم تشكر عادت على صاحبها نقمة، وخير الناس من وعظ بغيره.

وإنَّ هذه الحادثة التي قضت بهلاك العدد الكثير من خواصّ أصحابِك وخدَّامك بسبب غرقهم في البحر، إنَّها كارثة على كافَّة البلد، وهي بالخصوص عليْك أكبر من كل أحد، ونحن نؤمن بأنَّهم ماتوا بآجالِهم التي لا يستطيع أحد تعجيلها ولا تأجيلها، لكنَّ الله سبحانه قد جعل لكلّ شيء سببًا، وهذه المصيبة قد صارت حديث القَوم في مجالسهم وأنديتهم؛ لأنَّهم يعرفون بأنَّهم هلكوا في طريق غير مرضي، وعمل غير محبوب، وصاروا يتذكَّرون به كلَّ ما عسى أن يقال من كلّ ما يدركونَه عليك من العثار.

كما أكثروا القيل والقال في المركب الضَّخْم، فأخذوا يبالغون في ثمنه ويخوضون في حديثه، والشَّيء بالشَّيء يذكر، فهم يقولون: إنَّه اشتراه بالملايين من مال الدَّولة الذي هو مال الله وليس بمالك ولا مال أبيك بدون حاجة منك إليْه، ثمَّ يترتَّب عليه الصَّرف الكثير من مال الدَّولة الذي هو مال الله في كلّ شيء ما هو أكثر من ثمنه، فالنَّاس يقولون: ما بالك بثمنه وما بالك بالصَّرف عليه؟ والعاقل لا يستهين بالكلام الذي هو بمثابة مواقع السهام، ومن ابتغى الخير اتَّقى الشر.

وقد قيل: وإيَّاك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذارُه.

فمِن أجل هذه التصرُّفات دخل في القلوب شيء من الحزازات عليك؛ لأنَّ الناس متى رأوا أو سمعوا بهذا الحشْد العظيم والجمع الكثير والاستعداد الكبير من شحن المراكب والدروب والأبوام، وما تشتمل عليه من حمل السيَّارات الكثيرة والطيور الثَّمينة والآلات والأدوات والأمتعة والأطعمة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت