الصفحة 107 من 112

وما يترتَّب على ذلك من صرف المال الكثير حتى كأنه جهاز جهاد، ثمَّ الخوض بهم في أوحش البحار وتعريضهم لمواقع الأخطار كلّه في سبيل قنص حُبارى أو مائة حبارى أو أرنب أو شبه أرنب، إنَّ النَّاس متى رأوا هذا التصرُّف فإنَّه من اللازم أن تنكره قلوبهم، وتشمئزُّ منه نفوسهم لعلمهم أنَّه عمل خارج عن نظام العدل وسياسة الحكم، وحتى لو فعله شخص في نفسه وماله لوجب على الحاكم الضَّرب على يده بالحجْر عليه.

كيف، وقد اجتمع في مدينة الدوحة عددٌ كبير من الوزراء والسفراء والقناصل والأدباء والعلماء والكتَّاب ورؤساء الشَّركات، وكلُّهم شاخصة أبصارهم إلى فعل الحاكم وإلى التحدُّث بتصرفاته، فهم بطبيعة علمهم يعجبون من هذه التصرّفات الخارجة عن حدّ الاعتدال، لغرابتها في نفوسهم وفي عهدهم وبلدهم ودينهم؛ لأنَّهم يعرفون تمام المعرفة بما درسوه من العلم أنَّ ما تحت يدِ الحاكم من المال فإنَّه مال الله قد استخلفه عليْه، والله سائله عنه وناظر كيف يعمل فيه.

أفترى أنَّ إنفاق هذا المال في سبيل السَّفر للقنص أو أنَّ مشتري هذا المركب الضَّخم بالملايين من المال، أو أن شراءك للعقارت الفخمة في شتَّى الأقْطار في سويسرا، ومصر، ولبنان، وطهران، وشيراز، ودبي، وبندر عباس، أنَّه حلال؟ لا والله هو حرام! فإنَّ الحاكم العادل لا يحلّ له من مال الدَّولة الَّذي هو مال الله إلاَّ بقدر كفايته؛ لأنَّ في هذا العمل خوضًا في مال الله بغير حقّ.

ومن هذهِ الأشْياء وما يشبهها يَخرج بركانُ الكلام والإنحاء بالملام، كيف والفتن قد أقبلت كاللَّيل المظلم تُريد أن تبتلع أموال النَّاس بدون حدّ ولا عدّ، والأخطار محدِقة بالنَّاس من جميع الأقطار، والزَّمان ليس بزمان قنص حُبارى وأرنب، وإنَّما هو زمان يوجب على العاقل - وبالخصوص الحاكم العادل - أن يعمل فيه بالحزْم، وفعل أولِي العزم، فإنَّ المسؤوليَّة عليه أكبر.

وإنَّما سمّي حاكمًا من أجل إحكامه أمر بلده ورعيته؛ لهذا يجب أن تستعمل من الأمور أتقاها، ومن الأعمال أوثقها وأبقاها، وأن تسعى بسدّ كلّ طريق يتطرَّق النَّاس إليه برمي سهام الكلام عليك، فقد قيل:"مَن هذَّب نفسه فقد أرغم حاسده، ومَن قيل فيه ما هو متخلق به فلا يلُم إلا نفسه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت