فهرس الكتاب
إنَّ خلاصة هذه النصيحة ينحصر في الوصية بتقوى الله - تعالى - والمحافظة على فرائض طاعاته، وأن تُصلح ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين الناس، وأن تبذل الجهد في الإحسان إلى الناس بقضاء حوائجهم وتفريج كربهم ومساعدة منكوبهم ورحمة كبيرهم وفقيرهم؛ فإنَّ الإنفاق للمال في هذا السبيل هو المال الباقي الذي يترتَّب عليه شرف الذكر وعظيم الأجر؛ لأنَّ صنائع الإحسان تقي مصارع السوء، وطالما استعبد الإحسانُ إنسانًا.
إنَّ العاقل الحكيم والحازم الخبير يراعي التقدير وحسن التدبير، ويحارب الإسراف والتبذير حتى ولو على نهر من الماء كبير.
وهنا أشياء يصرف عليها المال على الدَّوام، ولعلَّك غنيّ عنها ولا حاجة لك بها، والصَّرف عليها من مال الدولة وهم لا حاجة لهم بها، فمنها التوسُّع في المزارع في أرض عمان الذي لا تعود عليك بمنفعة بل بالمضرَّة الواضحة، ومثله التوسّع في شراء العقارات في الدوحة وفي سائر البلدان، وكذلك كثرة الخيول التي لا يرجى أن يغزى عليها في سبيل الله، ولا أن يقاتل عدوٌّ بها، فإنَّ هذه الأعمال تستدعي كثرة الصَّرف للمال على الدَّوام، وتستدعي كثرة القيل والقال من الخاصّ والعامّ.
لهذا ينبغي الاقتصار على قدر الحاجة منها، والتخلّي عن كل ما لا تقتضيه المصلحة ولا المنفعة، وقس على ذلك كل ما لا حاجة لك فيه، مثل زوائد السيارات القائمة على كفراتها، تمرّ عليْها السنة بعد السنة حتَّى تذهب ماليَّتها بدون حاجة إليها، وأنت أعرف بما عسى أن تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه؛ لأنَّ حفظ المال خيرٌ من نفاده في غير سبيله، والاقتصاد خير كله، وما خرج عن حدّ الاقتصاد دخل في مسمى السَّرف على حدّ ما قيل: ما جاوز حدّه فقد جاوز ضدّه.
وإنه باختصار هذه الأعمال والاقتصار على قدر الحاجة منها يتوفر عندك قدر كبير من المال تستطيع أن تصرفه في مصارفه الشَّرعيَّة في سبيل البر والخير من الصدقات، وصلة القرابات، والإحسان إلى المساكين والأيتام وذوي الحاجات، والتَّفريج على المكروبين والمنكوبين من ذوي الهيئات، وتاسيس المشاريع الخيريَّة التي ينتفع منها النَّاس في الحياة، ويُرجى ثوابُها وأجرها بعد الوفاة مثل دار للأيتام، أو مستشفى يخفّف عن الناس شدَّة الزّحام، {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [البقرة: 272] .