الصفحة 23 من 112

الأوزاعي والمنصور

قال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه:

يا أمير المؤمنين، أما علمت أنه كان بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جريدة يابسة يستاك بها، ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل - عليه السَّلام - فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك؟ اقذفها لا تملأ قلوبَهم رعبًا، فكيف من سَفَكَ دماء المسلمين، وشقَّقَ أستارهم، وانتهب أموالهم، إنَّ المغفور له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، دعا إلى القصاص من نفسه بخدشةٍ خدشها أعرابيًّا من غير تعمُّد، فقال له جبريل - عليه السَّلام: إنَّ الله لم يبعثك جبارًا تكسر قرونَ رعيتك، يا أمير المؤمنين: لو أن ثوبًا من النار نشر على ما في الأرض لاجتثه، فكيف بمن يتقمصه؟

ولو أن ذَنُوبًا من النار صُبَّ على ما في الأرض لاجتثه، فيكف بمن يتجرعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل، لذاب فكيف بمن يسلسل فيها ويرد فضلها على عنقه؟ [1]

الأوزاعي ينصح المنصور

قال الأوزاعي: بعث إلي أبو جعفر أمير المؤمنين، وأنا بالساحل فأتيته، فلما وصلت إليه وسلمت عليه بالخلافة، رد عليَّ، واستجلسني، ثم قال: ما الذي أبطأ بك عنَّا يا أوزاعي؟ قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم، قلت: يا أمير المؤمنين، انظر ولا تجهل شيئًا مما أقول لك، قال: وكيف أجهله وأنا أسألك عنه، وقد وجهت إليك فيه، وأقدمتك له، قلت: إنْ تسمعْه ولا تعمل به، قال: فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف، فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مَثوبة لا عقوبة، فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية - يعني ابن بسر - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أيُّما عبدٍ جاءته موعظة من الله في دينه، فإنَّها نعمة من الله سبقت إليه، فإنْ قَبِلَها بشكر، وإلاَّ كانت حجة عليه من الله؛ ليزداد بها إثمًا، ويزداد الله بها عليه سخطًا ) ) [2] .

(1) "سراج الملوك".

(2) أخرجه ابن عساكر عن عطية بن قيس، (كنز العمال، 1/ 258) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت