الصفحة 24 من 112

يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أيُّما والٍ بات غاشًّا لرعيته، حرَّم الله عليه الجنة ) ) [1] ، يا أمير المؤمنين، من كره الحق، فقد كره الله، إنَّ الله هو الحق المبين، يا أمير المؤمنين، إنَّ الذي يُلين قلوبَ أمتِكم لكم حين ولاَّكم أمرهم؛ لقرابتكم من النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان بكم رؤوفًا رحيمًا، مواسيًا بنفسه لهم في ذات يده وعند الناس، فحقيقٌ أن يقومَ لهم فيهم الحق، وأن يكون بالقسط له فيهم قائمًا، ولعوراتهم ساترًا لم تغلق عليه دونهم الأبواب، ولم يقم عليه دونهم الحجاب، يبتهج بالنعمة عندهم ويبتئس بما أصابهم من سوء.

يا أمير المؤمنين، قد كنت في شغل شاغل من خاصَّة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تَملكهم أحمرهم وأسودهم، ومُسلمهم وكافرهم، فكلٌّ له عليك نصيبه من العدل، فكيف إذا اتَّبعك منهم فِئام وراءَهم فئام، ليس منهم أحد إلاَّ وهو يشكو بليةً أدخلتها عليه أو ظلامة سُقتها إليه؟ يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عروة بن رويم، قال: كانت بيدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - جريدة يستاك بها ويُروِّع بها المنافقين، فأتاه جبريل - عليه السَّلام - فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة التي كسرت بها قرونَ أُمَّتِك، وملأت قلوبهم رُعبًا؟

فكيف بمن شَقَّق أبشارهم، وسَفَك دماءهم، وخَرَّب ديارَهم، وأجلاهم عن بلادهم، وغيبهم الخوف منه، يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى القصاص من نفسه في خَدْشَة خَدَشَ بها أعرابيًّا لم يتعمدْها فأتاه جبريل، فقال: يا محمد، إنَّ الله لم يبعثك جبارًا ولا مستكبرًا، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي، فقال: (( اقتص مني ) )، فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي، ما كنت لأفعل ذلك أبدًا، ولو أتيت على نفسي، فدعا له بخير.

يا أمير المؤمنين، رض نفسَك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربِّك، وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( لَقابُ قوس أحدكم في الجنة خير له من الدنيا وما فيها ) ).

(1) أخرجه العقيلي عن ابن عباس بنحوه، (كنز العمال، 6/ 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت