فهرس الكتاب
يا أمير المؤمنين، تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدِّك: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] ، قال: الصَّغيرة التبسُّم، والكبيرة الضحك، فكيف بما عملته الأيدي وحدثته الألسن؟ يا أميرَ المؤمنين، بَلَغَنِي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفُرات ضيعة، لخفت أن أُسْأَل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بُساطك؟
يا أمير المؤمنين، أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك: {يا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى} [ص: 26] . قال: يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك، فكان لك في أحدهما هوًى، فلا تمنين في نفسك أن يكون له الحق، فيفلج على صاحبه فأمحوك من نُبُوتي، ثم لا تكون خليفتي ولا كرامة، يا داود، إنَّما جعلت رسلي إلى عبادي كرعاء الإبل؛ لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة؛ ليجبروا الكسير، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء.
يا أمير المؤمنين، إنَّك قد بليت بأمر عظيم لو عرض على السموات والأرض والجبال، لأبين أن يحملنه وأشفقن منه، يا أمير المؤمنين، حدثني يزيد بن مزيد عن جابر عن عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب استعمل من الأنصار رجلًا على الصدقة، فرآه بعد أيام مُقيمًا، فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أَمَا علمت أن لك مثلَ أجر المجاهدين في سبيل الله؟ قال: لا، قال عمر: وكيف ذاك؟ قال: لأنه بلغني أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ما من والٍ يلي من أمور الناس شيئًا إلا أُتِي به يومَ القيامة، فيوقف على جسر من نار، فينتفض به الجسر انتفاضًا يُزيل كلَّ عضو منه عن موضعه ثم يُعاد، فيحاسب، فإن كان محسنًا نَجا بإحسانه، وإن كان مسيئًا انخرق به ذلك الجسر، فهوى به في النار سبعين خريفًا ) ) [1] .
فقال له عمر: ممن سمعت هذا؟ قال: من أبي ذر وسلمان، فأرسل إليهما عمر، فسألهما فقالا: نعم سمعناه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: واعمراه، من يتولاها بما فيها؟ فقال أبو ذر: من سَلَتَ اللهُ أنفه وألصقَ خدَّه بالأرض، فأخذ أبو جعفر المنديل، فوضعه على وجهه، فبكى وانتحب حتى
(1) أخرجه البغوي والطبري عن أبي ذر، وفيه: سويد بن عبدالعزيز، (كنز العمال، 6/ 38) ، وقال الهيثمي في"المجمع": متروك.