الصفحة 26 من 112

أبكاني، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد سأل جدك العباس النبي - صلى الله عليه وسلم - إمارةً على مكة والطائف، فقال له: (( يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها ) ) [1] .

هي نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه؛ لأنَّه لا يُغني عنه من الله شيئًا، أوحى الله - تعالى - إليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، فقال: (( يا عباس، يا صفية عمة النبي، إني لست أغني عنكم من الله شيئًا ألا لي عملي ولكم عملكم ) )، وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه: لا يقيم أمرَ الناس إلا حصيف العقل، أريب العُقْدَة، لا يطلع منه على عورة، ولا يَحنو على حوبة، ولا تأخذه في الله لومةَ لائم، وقال: السُّلطان أربعة أمراء، فأمير قوي ظلف نفسه وعُماله، فذاك المجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه بالرحمة، وأمير ضعيف ظلف نفْسه وأرتع عمالَه، فضعف فهو على شفا هلاك إلاَّ أن يرحمه الله، وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه، فذلك الحطمة الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( شر الرعاء الحطمة ) ) [2] ، وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعًا.

وقد بلغني - يا أمير المؤمنين - أنَّ جبريل - عليه السَّلام - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( أتيتك حين أمر الله - عزَّ وجلَّ - بمنافيخ النار، فوضعت على النار تُسعَّر ليوم القيامة، فقال له: يا جبريل، صف لي النار، فقال: إنَّ الله أمر بها، فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اصفرَّت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مُظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، والذي بعثك بالحق، لو أن ثوبًا من ثياب أهل النار أُظْهِرَ لأهل الأرض لماتوا جميعًا، ولو أنَّ ذَنُوبًا من شرابها صُبَّ في ماء الأرض لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعًا من السلسلة التي ذكر الله - تعالى - وضع على جبال الأرض جميعًا، لذابت وما استقرت، ولو أن رجلًا دخل النار، ثم أخرج منها، لمات أهلُ الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه، فبكى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبكى جبريل لبكائه، فقال: أتبكي يا محمد، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ ولم بكيت يا جبريل وأنت الرُّوح الأمين أمين الله على وحيه؟ قال: أخاف أن أبتلى بما ابتُلي به هاروت وماروت، فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي، فأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا

(1) أخرجه ابن سعد عن الضحاك بن حمزة مرسلًا، ابن سعد وابن ماجه عن محمد بن المنكدر مرسلًا، وابن ماجه عن جابر، (كنز العمال، 6/ 41) .

(2) أخرجه أحمد ومسلم عن عائذ بن عمرو؛ (كنز العمال، 6/ 26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت