الشعبي يقول الصدق معرضًا حياته للخطر
كان عامر الشعبي من خاصَّة ابن الأشعث مُرافقًا له في جميع حروبه، فلَمَّا انهزم ابن الأشعث أمام الحجاج وأُسِر أصحابُه، أمر الحجاج بقتل كل أسير يُؤتى به، فلما كثروا عليه، صار يقتل من يقول: إنَّه مؤمن، أمَّا من اعترف بالكفر والنِّفاق على نفسه، فإنه يعفو عنه، وأسر عامر الشعبي فيمن أسر، وأُتي به إلى الحجاج في ثورة غضبه، وهو يقتل الأسرى الأول فالأول إلاَّ من باء على نفسه بالكفر والنِّفاق، فلما سار عامر الشَّعبي إلى الدخول عليه، لقيه رجل من صَحَابة الحجاج يقال: يزيد بن أبي مسلم، وكان مولاه وحاجبه، فقال له: يا شعبي، لهفي بالعلم الذي بين دفتيك، وليس هذا بيوم شفاعة، إذا دخلت على الأمير، فبُؤ له بالكفر والنفاق عسى أن تنجو.
فلما دخل الشعبي على الحجاج، صادفه واضعًا رأسه لم يشعر، فلَمَّا رفع رأسه رآه، قال له: أنت أيضًا يا شعبي فيمن أعان وألَّب، قال: أصلحَ الله الأمير، إنِّي أمرت بأشياء أقولها أرضيك بها، وأسخط الرب، ولست أفعل، ولكني أقول - أصلح الله الأمير - وأصدُقك القول، فإن كان شيء ينفع لديك، فهو الصدق - إن شاء الله: أحزن بنا المنزل، وأجدب الجناب، واكتحلنا السهر، واستجلسنا الخوف، وضاق بنا البلد العريض، فوقعنا في خِزْيَة لم نكن فيها بَرَرة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فقال له الحجاج: كذلك، قال: نعم، أصلح الله الأمير، وأمتع به، قال: فنظر الحجاج إلى أهل الشام، فقال: صدق والله يا أهل الشام، ما كانوا بررة أتقياء، فيتورَّعوا عن قتالنا، ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا، ثم قال: انطلقْ يا شعبي، فقد عفونا عنك، فأنت أحقُّ بالعفو ممن يأتينا، وقد تلطخ بالدِّماء، ثم يقول: كان وكان.
روى ابنُ خلكان قال: لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراقَ، وأضيف إليه خراسان، وذلك في أيام يزيد بن عبدالملك، استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين والشعبي، وذلك في سنة ثلاث ومائة، فقال لهم: إنَّ يزيد خليفة الله، استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاقَ بطاعته، وأخذ عهدنا بالسَّمع والطاعة، وقد ولاَّني ما ترون، فيكتب إليَّ بالأمر من بعده، فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولًا تقية، قال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة، خَفِ اللهَ في يزيد، ولا تَخَفْ يزيد في الله، إن الله يَمنعك من يزيد، وإن يزيد لا