فهرس الكتاب
سلطان العلماء يبيع الأمراء
عزّ الدين بن عبدالسلام المولود سنة 577 هـ والمتوفى سنة 660 هـ، سلطان العلماء، اشتُهِر بالأمر بالمعْروف والنَّهي عن المنكَر لا يبالي ذوِي مناصب أو جاه أو إمارة، بل يصدع بالحق.
وكان الملك الصَّالح إسماعيل بن العادل سلطان دمشق بعد وفاة الملك الأشرف (635 هـ) قد نشأ بيْنه وبين ابن أخيه الصَّالح نجم الدين أيوب خلاف، فتحالف إسماعيل مع الفرنج الصَّليبيِّين ليساعدوه على نجم الدّين، وسلَّم إليهم لقاء ذلك قلعة صفد وبلادها وقلعة الشقف وبلادها، ومناصفة سيدا وطبرية وأعمالها، وجبل عاملة وسائر بلاد الساحل، وأذن للفرنج في شراء السلاح من دمشق، فضجَّ المسلِمون لذلك وأنكروا على إسماعيل، وأفتَى العزُّ بن عبدالسلام بتحريم بيع السلاح للفرنج، وقال: يحرُم عليكم مبايعتهم لأنَّكم تتحقَّقون أنَّهم يشترونه ليُقاتلوا به إخوانكم المسلمين.
وشدَّد العزّ الإنكار على إسماعيل هذه التصرُّفات الحمقاء، وانتقده مِن على منبر جامع دمشق يوم الجمعة، وأبطل الدُّعاء له واستبدله بدعاء منه:
"اللَّهُمَّ أبرم لهذه الأمَّة أمر رشد تُعَز فيه أولياؤك وتُذَل فيه أعداؤك، ويعمل فيه بطاعتك وينهى فيه عن معصيتك"، والناس يضجون بالدعاء.
وكان الملك الصَّالح إسماعيل غائبًا عن دمشق فأُخْبِر عن ذلك، فورد كتابُه بعزل ابن عبدالسلام عن الخطابة واعتقاله هو والشَّيخ ابن الحاجب المالكي؛ لأنَّه رفع صوتَه في الإنكار عليه مع عزّ الدين فاعتقلا.
ثمَّ لمَّا قدِم إسماعيل إلى دمشْق أفرج عنهما، وألزم ابن عبدالسلام بملازمة داره وأن لا يفتي ولا يجتمع بأحد البتة، فاستأذنه في صلاة الجُمُعة وأن يعبر إليه طبيب أو مزين (حلاق) إذا احتاج إليهما، وأن يعبر إلى الحمام فأذن له، في ذلك، ثم عزم العزم على مغادرة دمشق واستأذنه إسماعيل فأذن له، فاختار مصر وخرج إليها سنة 638 ومعه ابن الحاجب المالكي ومرَّ بالقدس فقضى بها فترة قصيرة.