الصفحة 75 من 112

وحْدها نحوًا من أربعمائة وأسروا نحو أربعةِ آلاف، ونهبت المكتبات وبيعت كتبُها، وتحصَّن النَّاس في المسجد الجامع فكسروا بابه وقتلوا منهم عددًا كثيرًا، وهنا يقف ابن تيمية موقفًا بطوليًّا فيخرج لِمقابلة ملك التَّتر، ولكن الشَّيخ لم يتمكَّن من المقابلة فعاد بعد يومين هو ومَن معه من أصحابه.

وازدادت المخاطر وكثر اعتِداء التتر وأخذوا أمولًا طائلة، وقد بلغ ما أخذوه من الخيل فقطْ أكثر من عشرة آلاف فرس، هذا مع فرْض الضَّرائب الباهظة، والنَّاس ما بين هارب ومختبئ في بيتِه، والتتار يتأهَّبون لضرب القلعة بالمجانيق.

وذهب قازان إلى العراق وترك بالشَّام نوَّابه في ستين ألف مقاتل، وقال: إنَّا قد تركْنا نوَّابنا بالشَّام في ستّين ألف مقاتل، وفي عزْمِنا العودة إليها في زمن الخريف والدّخول إلى الديار المصريَّة وفتحها، وقد بقيت القلعة صامدة والمحاولات تبذل من قبل التتر لفتحها ولم يجدوا سبيلًا لذلك.

وخرج شيخ الإسلام فكلَّم نائب ملك التتر"بولاي"في إطلاق سراح المعتقلين المسلمين، واستنقذ كثيرًا منهم بعد ثلاثة أيَّام قضاها في المفاوضة المتَّسمة بالصراحة والعزيمة الصَّادقة.

ثمَّ رحلت الجيوش التتريَّة عن دمشق في أوائل شهر رجب 699 هـ، وجاءت الأخبار عن مسير الجيش المصري إلى الشَّام الَّذي وصل بعد أيَّام بصحبة سلار نائب السلطنة في مصر وجمال الدين الأفرم، ونادى أرجواش في البلاد: احفظوا الأسوار وأخرِجوا ما كان عندكم من الأسلِحة ولا تهملوا الأسوار والأبواب، ولا يبيتنَّ أحد إلاَّ على السور، ومَن بات في داره شنق، فاجتمع النَّاس على الأسوار لحِفْظ البلاد، وكان الشَّيخ تقيّ الدّين ابن تيمية يَدور كلَّ ليلة على الأسوار يحرِّض النَّاس على الصَّبر والقتال ويتلو عليْهِم آيات الجهاد والرّباط.

وعاد الجيش المصري بعد شهرين قضاها في دمشق، وكان في دمشق نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم، وإذا كان العدوّ قد انزاح عن الشَّام فليس معنى ذلك أنَّه رحل نهائيًّا، بل إنَّه قد يعود بأشْرس مما كان، فلا بدَّ إذًا من الاستعداد وإعلان النَّفير العام، والتجنيد الإلزامي للجميع بما فيهم العلماء وطلاب المدارس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت