الصفحة 76 من 112

فنودي في البلدان: يعلِّق النَّاس الأسلحة بالدَّكاكين، وأن يتعلَّم النَّاس الرَّمي، فعملت الآماجات في أماكن كثيرة من البلد وعلّقت الأسلحة بالأسواق ورسم رئيس القضاة بعمل الآماجات في المدارس، وأن يتعلَّم الفقهاء الرَّمْي ويستعدُّوا لقتال العدوّ إن حضر [1] .

ولا شكَّ أنَّ لشيخ الإسلام ابن تيمية دورًا مهمًّا في هذا المنهج السَّليم.

وبعد ثمانية أشهُر من رحيل الجيوش التتريَّة عن دمشق، وردتْ أخبار مفْزِعة مؤدَّاها أنَّ التتار قادمون إلى دمشق، وأنَّهم عازمون على دخول مصر، فانزعج النَّاس ووقعوا في حيص بيص، وهرب الكثيرون منهم إلى مصر والكرك والشوبك والحصون المنيعة، وغلَتْ وسائل النقل غلوًّا فاحشًا، وبيعت الثّياب والأمتعة بأرخص الأسْعار.

وجلس شيخ الإسلام ابن تيمية بمجلسه في الجامع، وحرَّض الناس على القتال وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفِرار، ورغَّب في إنفاق الأموال في الذَّود عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأنَّ ما ينفق من أجرة الهرب إذا أُنْفِق في سبيل الله كان خيرًا، وأوجب جهاد التَّتر حتمًا في هذه الكرَّة، وتابع المجالس في ذلك، ونودي في البلاد أن لا يسافر أحد إلاَّ برسوم وورقة، فتوقَّف الناس عن السير وسكن جأشهم، وتحدَّث النَّاس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر [2] .

وتتابعت أخبار قدوم التتر قاصدين دمشق والنَّاس في هلع وفزع، والإشاعات تقوى بأنَّهم يقتربون من البلد، وأنَّهم قد استولوا على حلَب بعد أن هزم الحلبيّون، وإشاعات بأنَّ السلطان قد رجع إلى مصر ونكص عن نجدتِه للشَّام.

في هذا الجوّ المضطرب خرج الشَّيخ تقي الدّين ابن تيمية - رحمه الله - في مستهلّ هذا الشهر (جمادى الأولى سنة 700هـ) وكان يوم السبت إلى نائب الشَّام في المرج، فثبَّتهم وقوَّى جأشهم وطيَّب قلوبهم ووعدهم بالنَّصر والظفر على الأعداء، وتلا قوله تعالى: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60] .

(1) البداية والنهاية، ج4، ص12، والآماجات: جمع آماج، وهو الهدف.

(2) البداية والنهاية، جـ14، ص14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت