الصفحة 77 من 112

وبات عند العسْكر ليلة الأحد ثمَّ عاد إلى دمشق، وقد سأله النَّائب والأمراء أن يركب على البريد إلى مصر يستحثُّ السلطان على المجيء، فساق وراء السّلطان، وكان السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركْه إلاَّ وقد دخل القاهرة وتفارط الحال، ولكنَّه استحثَّهم على تجهيز العساكر إلى الشَّام إن كان لهم به حاجة، وقال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتُم عن الشَّام أقمْنا له سلطانًا يحوطه ويَحميه ويستغلُّه في زمن الأمن، ولم يزل بهم حتَّى جرّدت العساكر إلى الشَّام ثمَّ قال لهم: قدّر أنَّكم لستم حكَّام الشَّام ولا ملوكه واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فيكف وأنتم حكَّامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم؟! وقوَّى جأشهم وضمن لهم النصر هذه الكرَّة، فخرجوا إلى الشَّام.

فلمَّا تواصلت العساكر إلى الشَّام فرح الناس فرحًا شديدًا بعد أن كانوا قد يئِسوا من أنفُسِهم وأهليهم وأموالهم، ثمَّ قويت الأراجيف بوصول التَّتر وتحقَّق عوْد السلطان [1] .

كان هناك استِعْداد غير أنَّ الوجل كثير، والشَّائعات تعمل عملَها في زعْزعة الثِّقة.

والنَّاس بين مشجِّع ومخذل ومتحمّس وخائف، رجع شيْخ الإسلام من الدِّيار المصريَّة في أواخر شهر جمادى الأولى بعد أن مكث بالقلعة بِمصر ثمانية أيَّام يحثُّهم على الجهاد والخروج إلى العدو، وقد اجتمع بالسُّلْطان والوزير وأعيان الدَّولة فأجابوه إلى الخروج، وتكلَّلت مساعي الشَّيخ بالنجاح.

ومضى من الوقت نحوٌ من سنَتين والأخبار عن التَّتار متضاربة، فمِن قائل: إنَّهم ذهبوا إلى غير رجعة، ومن زاعم أنَّهم على وشك العودة والهجوم على دمشق.

وفي شهر رجب سنة 702 هـ قوِيت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك وزاد خوفهم جدًّا، سيَّما وقد تأخَّر وصول العساكر المصرية.

(1) البداية والنهاية، جـ4، ص15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت