الصفحة 78 من 112

ولكن الأمل تجدَّد بحدثَين: أحدُهما تأكُّد خروج القوات المصرية متَّجهة إلى دمشق، والثاني: وقوع معركة بين قوَّات من المسلمين وبين قوَّات للتَّتر عددها سبعة آلاف، انكسرتْ فيها قوَّة التَّتر فولَّوا مدْبِرين بعد أن قُتِل وأُسِر منهم خَلْق كثير.

وكان ذلك في العاشر من شعبان سنة 702 هـ.

كان التَّتر قد عاثوا فسادًا في حِمْص وحماة وحلب بعد أن تقهْقرت أمام جُموعهم جيوش هذه البلدان، ونزح كثيرٌ من أهلها، والنَّاس في قلقٍ شديد لتأخُّر بقيَّة الجيوش المصريَّة التي كانت تُرافق السلطان عند الوصول، على أنَّ وصول طلائع الجيش المصري قد شجَّع النَّاس وبدؤوا يهدؤون، ولو أنَّ الإشاعات والأراجيف لا تنقطع.

واجتمع الأمراء بالميدان، وتحالَفوا على لقاء العدو وشجَّعوا أنفُسَهم، ونودي بالبلد أن لا يرْحَل منه أحد فسكن النَّاس، وجلس القضاة بالجامع وحلفوا جَماعة من الفقهاء والعامَّة على القتال، وتوجَّه الشَّيخ تقي الدين ابن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القطيفة فأعْلَمهم بما تحالف عليه الأمراء والنَّاس من لقاء العدوّ، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم.

وكان الشيخ تقي الدين يَحلف للنَّاس والأُمَراء أنَّكم في هذه الكرَّة منصورون، فيقول له الأمراء: قُل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، وكان يتأوَّل في ذلك أشياء من كتاب الله: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60] ، وقد تكلَّم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو؟! فإنَّهم يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام، فإنَّهم لم يكونوا في طاعتِه في وقت ثمَّ خالفوه، فقال الشَّيخ تقي الدّين: هؤلاء من جِنْس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية ورأَوا أنَّهم أحقّ بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنَّهم أحقّ بإقامة الحقّ من المسلمين، ويَعيبون على المسلمين ما هم متلبِّسون به من المعاصي والظُّلم، وهم متلبِّسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطَّن العُلماء والناس لذلك، وكان يقول: إذا رأيْتموني من ذلك الجانب وعلى راسي مصحف فاقتلوني، فتشجَّع النَّاس في قتال التَّتار، وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد [1] .

(1) البداية والنهاية، جـ14، ص23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت